
زاوية الانعكاس
قصة قصيرة
إيمان ماجد / مصر
بعد أن انتهت أيّام العزاء الثلاثة، وغادر آخر المعزين، أقفلت الابنة باب الشقة الكبيرة ووقفت في الصالة واضعة كلتا يديها على طاولة السفرة العريضة تمرر بصرها على الشقة للمرة الأخيرة. كان الهدف واضحاً ومحددًا: تجهيز البيت للبيع وتقسيم الميراث، كما اتفق الأخوة بسرعة قبل أن يجف الورد على قبر والدتهم.
لكن ثمة عقبة واحدة كانت تقف في منتصف الشقة.. تلك الغرفة الصغيرة في أقصى الممر.
طوال سنوات، وكلما زارت الابنة أمها، كانت تجد ذلك الباب مغلقاً. لم تكن تولي الأمر اهتماماً كبيراً في حياة أمها، ظنتها غرفة تخزين أو كركبة قديمة، لكن بعد الرحيل، وبحثاً عن الأوراق الرسمية وسندات الملكية، صار فتح الغرفة ضرورة. سألت إخوتها عبر الهاتف، فجاءت ردودهم باردة ومستعجلة: “ربما ضاع المفتاح منذ زمن.. عادي.. سنكسر الباب ” لم يهتم أحد منهم بالسر، أما هي، فبدأ شكٌّ يساورها، يتغذى على السر المخفي خلف الباب المغلق.
طوال أسبوعين، كانت الابنة تردد على الشقة، تقف أمام الباب المغلق وتتساءل: ما الذي يُخفى خلفه؟
هل كانت والدتي تحتفظ هناك بصور قديمة لا تريد لأحد أن يراها؟ رسائل حب لم ينسها الزمن؟ أم ربما مجوهرات العائلة التي اختفت منذ عقود؟
كلما نظرت إلى مقبض الباب النحاسي الذي علاه الغبار، تخيلته مدخلا يتسع ليصير لغزاً كبيراً، وقارئ سرها يترقب معها ما الذي يخفيه هذا الحظر الصارم.
بحثت عن المفتاح في كل مكان متوقع: في أدراج التسريحة، بين طبقات الملابس، تحت المفارش، وداخل العلب المعدنية.. وصندوق مجوهراتها النحاسي، لا شيء. وبينما كانت تتفقد علبة الدواء البلاستيكية الخاصة بأمها—تلك العلبة المقسمة لأيام الأسبوع والتي كانت تطلب منها دائماً أن تملأها لها—لمحت شيئاً صلبًا في القاع تحت شريط المهدئ.
كان المفتاح هناك. في أكثر مكان عاديّ ومألوف. مكانٍ كشف للابنة كم كانت تجهل تفاصيل يوميات أمها البسيطة.
سكنت الدقات في صدرها وهي تضع المفتاح في الباب. دار الدورات الثلاث بصوت جاف، وفتح الباب.
انتظرت أن تداهمها رائحة القماش العفن، أو غبار الصناديق القديمة، لكن ما قابلها كان خواءً مطلقاً. الغرفة فارغة تماماً. الجدران عارية، الأرضية ناصعة، ولا شيء فيها على الإطلاق.. سوى كرسي خشبي وحيد، محاط بهالة من الضوء الباهت، موضوع بزاوية مائلة، شاخصاً نحو النافذة المغلقة.
تقدمت الابنة بخطوات حذرة، وصوت كعبها يتردد في الخواء. لم تفهم. أهذا كل شيء؟
دفعت ضلفتي النافذة، فانساب هواء المساء البارد. ثم جلست على الكرسي في محاولة لفهم هذه الزاوية الغريبة التي اختارتها أمها.
جلسَت ونظرت إلى الخارج. لم يكن هناك ما يُرى؛ الشارع هادئ، والبيت المقابل يقع على مسافة قريبة. كانت الشمس قد غابت تماما، وسقطت العتمة على الغرفة تدريجياً، ليتغير المشهد بالكامل دون أن تتحرك خطوة واحدة.
حين أُضيئت أنوار الشقة المقابلة، امتلأت صالتهم بالدفء؛ أطفال يركضون، أم تضع الطعام على المائدة، أب يضحك، وعائلة كاملة تلتف حول بعضها في صخب هادئ. ومع هبوط الظلام التام داخل الغرفة، تحول زجاج النافذة الخارجي إلى ما يشبه المرآة الشفافة.
وفي تلك اللحظة بالذات، انحلّ اللغز المُر.
رأت الفتاة صورتها المنعكسة على الزجاج تترسب ببراعة هندسية قاسِية في قلب صالة الجيران. بسبب الزاوية الدقيقة للكرسي، لم تكن الأم ترى الشارع ولا تتلصص على أحد، بل كانت صورتها تُزرع تلقائياً وسط العائلة الأخرى؛ تظهر وكأنها تجلس معهم في غرفة المعيشة، يمر الأطفال من حولها، ويضحكون في محيطها الصاخب.
اتسعت عينا الابنة، وسقط المفتاح النحاسي من يدها ليرتطم بالبلاط بصوت حاد.
في تلك الليلة المظلمة، وفي هدوء الغرفة الخاوية، فهمت الابنة كل شيء. كانت أمها، بعد أن رحل الجميع وتفرقت بهم الطرق، تجلس على هذا الكرسي كل ليلة، تطفئ النور، وتصنع لنفسها بالضوء والانعكاس عائلة بديلة.. لتسترد أبناءها الذين غابوا، وتعيش مع حشدٍ وهمي يُنسيها وحدتها القاتلة في بيت هجره الجميع.
رفعت للتصميم












