غلبني الزواج

قصة لآمال مختار

 

قابلتُهُ صدفة . كان يمكن للقاء أن يكون عابرا كأي لقاء عابر في زمن عابر بين رجل وامرأة يعرفان بعضهما بشكل سطحيّ . غير أن القدر كان يخطط على طريقته وحسب سيناريوه. لقد ثبّت القدرُ تلك اللّحظة لتكون البداية لقصة عشق ملتهبة ، ثم لزواج ناجح حسب المقاييس الاجتماعية .

في تلك اللّحظة تماماً ، هتف إليّ هاتف يقول بأنّ هذا الرجل هو زوجك المنتظر. لعلني سخرت منه لأنني اعتقدت انه سكنني بسبب تحريض أمي الدائم والملحاح للإسراع بالزواج باعتبار ان البنت التي تجاوزت العشرين دون ان تتزوج هي عانس في نظر المجتمع .

كنت قد تجاوزت الخامسة والعشرين، لكنني لم أحس بالعنوسة التي يتحدثون عنها. كنت فتاة مرحة ، منطلقة ومحبّة للحياة حتى الجنون. ولم يكن الزواج ـ مهْمَا كان الثمن ــ من أهدافي . كان هدفي الأوّل والأهمّ هو النجاح في العمل ، مؤمنة ان تحقيق ذلك هو تحقيق لكيان الإنسان وجوهر وجوده. أما هدفي الثاني فكان الاحتفاظ بعشق مجنون داخل مؤسسة الزواج كنت أدرك تماما أن ما أصبو إليه هو من المعادلات الصعبة ، بل المستحيلة في الحياة. وكنت أنظر إلى التجارب التي تعترف بموت العشق والحب بعد الزواج على أنها تجارب غير مكتملة أو تجارب غير متكافئة الأطراف . أجلسُ على مقعد المتفرج الفارس، وللفارس ثقة عالية في نفسه وقدراته وكنت أصرّ حينها إنني لن أتزوج إلا رجلا وسيما ، وندّا كفؤا لي في الثقافة ، والأفكار ، وبذلك نتبادل عشقا خرافيا. بعدها سيصبح ممكنا لي ان أراهن واكسب الرهان في الاحتفاظ بوهج العشق بيني وبين زوجي حتى آخر لحظة من عمر زواجنا .

عندما هتف الهاتف ليهمس لي إنّ هذا الرجل الوسيم هو زوجي المنتظر خلتُها مراوغة أخرى من مراوغات القدر. غير ان هذا الأخير كان جادا هذه المرة ، بل وكان كريما معي فمنحني كلّ ما تمنيت وتزوجت. تزوجت رجلا وسيما مثقفا، فنانا وتزوجت وأنا في أتون قصة حقيقية .

في بداية رحلة الزواج التي مرّ عليها الآن عشر سنوات كنت متحمسة حدّ التبجح بقدراتي العالية والسحرية ربما للانتصار على مؤسسة الزواج .

كنت في كلّ مناسبة وفي كلّ لقاء مع الأصدقاء والأحباب أصرّ على التبجح بأنني نجحت في الاحتفاظ بمشاعرنا الملتهبة حتى بعد الزواج . فمادام زوجي مؤمنا بفكرتي ومتميزا بعقليته المتفتحة والحرة فإنّه ساعدني وسيظل يساعدني على كسب الرهان ليظل عشقنا متوهجا .

ثم بدأت المتاعب الخارجة عن نطاقنا . جاء الحمل الذي انتظرناه بشغف ، وجاءت معه متاعب لم أكن لأتخيلها مطلقا ، ذلك ان كلّ ما نستمع إليه من الآخرين يمرّ بغير ذي معنى إلى ان نعيش التجربة بأنفسنا ، إلى ان نضع أقدامنا على الجمر وعندها، عندها فقط سنتذكر تجارب الآخرين ونتفهمها.

متاعب الحمل تغير المزاج وتعكّر صفو كلّ المشاعر، نتجاوز المرحلة ونفرح بالوليد. ثم يبدأ الزواج في مدّ قضبانه الصلبة والتي اعتقدنا في البداية أنها ذهبية ، واعتقدت شخصيا أنّها قضبان من العشق المتوهج الذي لن تنطفئ ألسنته .

شيئا فشيئا تنحكم دائرة القضبان ونكتشف أننا سجناء حقيقيون لمؤسسة الزواج التي تتمتع بقوانينها الخاصة جدا وبأحكامها المجحفة تجاه الإنسان في حدّ ذاته. غالبا ما يغرق الأزواج في متاهة تبادل التهم بسبب عدم القناعة والرضا باختيار الطرف الآخر أو بسبب عدم التكافؤ وانعدام المشاعر بين الأزواج . لكن في الحالة التي أعيشها حيث لا إمكانية لتعليق الأخطاء ، على مشجب الآخر ، في هذه الحالة من التكافؤ والعشق أتساءل أين يكمن الخلل ؟ بعد ان اعترفت أمام نفسي أولا أنني خسرت الرّهان وأن ما بقي من عشقنا المتوهج هو مشاعر صامتة مكتومة ، ليس لديها أدنى فرصة لتنال حقها في التعبير أمام ازدحام المواضيع والملفات المطروحة للدرس والنقاش في شركة الزواج !

مع الأيام والسنوات تحوّل الزواج الذي يتوهم الجميع في البداية انه مرفأ للحب والمشاعر إلى عقد وشركة حقيقية بمفهوم المعنى الاقتصادي. نعالج كلّ المواضيع من منظور مادي اقتصادي مرتبط بالميزان الاقتصادي والعولمة، نتحدث في شتى الشؤون وعندما نصمت قليلا . يدور في ذهن كلّ منا ان نفتح صفحات حكايتنا لنقرأ سوية مقاطع من الشعر كما كنا نفعل في بداية زواجنا ، أو نشاهد فيلما سينمائيا أو نتوغل في تحليل الذات البشرية من خلالنا ، نكتشف فجأة أننا متعبان ، وننتبه ــ هكذا فجأة ــ أننا مرهقان فيشكو هو من آلام الرقبة وأشكو أنا من الصداع وآلام الظهر. وتنكسر نظراتنا ويهرب كلّ واحد منا إلى ذاته ويتقوقع على آلامه الحقيقية ، وهي عجزه عن سقي النبتة الذاوية بأعماقه مؤجلا ذلك إلى الغد ، طامعا في ظروف أكثر طراوة لمثل هذا الحديث ، طامعا في إحساس حقيقي بالقوّة والرغبة. غير أنّ الغد لن يكون أفضل من اليوم ، فالدوامة التي تركض وتدور بسرعة ضوئية لن تتوقف وإذا ما توقفت سيكون ذلك نهائيا ، سيكون ذلك في المشهد الأخير عند تحية الوداع.

الّليلة ونحن نستعد في صمت أنا و زوجي لإحياء حفل عيد زواجنا العاشر فكرت ان اقترح على زوجي الانفصال حتى يستعيد كلّ منا حريته الإنسانية. وعند العشاء قلت له : « لدي اقتراح بمناسبة هذه الذكرى السعيدة « ابتسم وقال هو الآخر :» أنا أيضا لدي اقتراح» حرّضني الفضول ان اعرف اقتراحه قبل أن أعرض اقتراحي . أصرّ هو على سماعي أوّلا . وانتهى عنادنا إلى تأجيل ذلك إلى الغد . لكنني كنت متأكدة أنه كان سيقترح عليّ نفس الاقتراح الذي فكرت فيه .

في السرير وأنا بين نوم ويقظة حاولت للمرة الأخيرة ان ادفعه للإفصاح عن اقتراحه فجاءني صوته مغمّسا بالنعاس : « غدا… غدا سأقول لك كلّ شيء»

رفعت للتصميم