
رِوايَة الْإِرْهَابُ وَدَمَارُ الْحَدْبَاءِ
رِوايَة الْإِرْهَابُ وَدَمَارُ الْحَدْبَاءِ
الْجُزْءُ الْأَوَّلُ – قَبْلَ الْبِدَايَةِ
« عصمت الدُّوسْكِيَّ فِي رِوَايَتِهِ كَأَنَّمَا وَضَعَ لِحَيَاةِ الْفَرْدِ قَالَبًا مِنْ حَدِيدٍ، لَمْ يَعُدْ بَعْدَهَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَحَرَّكَ بِتِلْقَائِيَّةِ الْإِنْسَانِ الْمُفَكِّرِ الْحُرِّ.»
هندة العكرمي – تونس
إِنَّ الْمُشْكِلَاتِ الْفِكْرِيَّةَ أَوِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ أَوِ السِّيَاسِيَّةَ تُنْبَذُ عِنْدَ أَصْحَابِهَا حِينَ تَنْبُتُ مَعَهُمْ فِي أَرْضِ حَيَاتِهِمُ الْعَمَلِيَّةِ أَوِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ ذَاتِهَا، وَهَكَذَا كَانَتِ الْحَالُ مَعَ الْأَدِيبِ عِصْمَتِ الدُّوسْكِيِّ، حَيْثُ عَاشَ وَضْعًا اجْتِمَاعِيًّا مُزْرِيًا، تَنَاوَلَهُ بِالشَّرْحِ وَالتَّفْسِيرِ فِي شَكْلِ سَرْدٍ لِأَحْدَاثٍ وَاقِعِيَّةٍ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ إِيجَادَ حَلٍّ مُقْنِعٍ لِلْوَضْعِ خِلَالَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَهَا مُشْكِلَةَ « الذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ »، وَأَقْصِدُ هُنَا بِكَبَائِرِ الذُّنُوبِ الْقَتْلَ بِالتَّحْدِيدِ، وَحُكْمَ مُرْتَكِبِ الذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، وَهُوَ مَا كَانَ يَرْمِي إِلَى قَوْلِهِ دُونَ النُّطْقِ بِهِ؛ إِذْ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِعْ هَذِهِ الْمُشْكِلَةَ مِنَ الْهَوَاءِ، بَلِ انْدَفَقَتْ لَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَوَادِثِ، مَدِينَةِ « أُمِّ الرَّبِيعَيْنِ – الموصل »، وَفَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى عَقْلِهِ وَتَفْكِيرِهِ فَرْضًا نَتِيجَةً لِأَزْمَةٍ سِيَاسِيَّةٍ حَادَّةٍ إِلَى دَرَجَةِ الْقِتَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَالْوَاضِحُ حَسَبَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ، سَوَاءُ الشَّعْبِ أَوِ الْحُكُومَةِ، عَلَى غَيْرِ صَوَابٍ؛ إِذْ لَمْ يَكُونَا مَعًا، وَمَعْنَى ذَلِكَ حَسَبَ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ الْحُكُومَةَ قَدِ اقْتَرَفَتْ خَطِيئَةً كُبْرَى فِي حَقِّ مَنْ قُتِلُوا بِغَيْرِ وَجْهٍ حَقٍّ.
وَكَأَنَّ الرَّاوِيَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ : « مَاذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي مُسْلِمٍ ارْتَكَبَ خَطِيئَةً كُبْرَى ؟ » وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْفِعْلِ أَوَّلَ مَا عُرِضَ فِي عَقْلِ الرَّاوِي، فَنَجِدُهُ يُوَازِنُ حُجَّةً بِحُجَّةٍ، ثُمَّ يُصْدِرُ حُكْمًا لِيُرْضِيَ مَنْطِقَهُ وَرُؤْيَاهُ لِلْأَحْدَاثِ كَمَا حَدَثَتْ، فَتَجِدُ قُوَّةَ حُجَّتِهِ وَقُدْرَتَهُ الْقَادِرَةَ عَلَى التَّحْلِيلِ، وَسَعَةَ أُفُقِهِ، وَغَزَارَةَ عِلْمِهِ، وَحُضُورَ بَدِيهَتِهِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا بِقُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ فِي رَسْمِ صُورَةٍ تَفْصِيلِيَّةٍ لِلْحَدَثِ، وَلِلْمُوَاطِنِ الْمَوْصِلِيِّ، وَكَيْفَ لَهُ أَنْ يَعِيشَ لِيُسَايِرَ مَا يَقْتَضِيهِ الْوَضْعُ، فَتَجِدُ الدُّوسْكِيَّ فِي رِوَايَتِهِ ج1 كَأَنَّمَا وَضَعَ لِحَيَاةِ الْفَرْدِ قَالَبًا مِنْ حَدِيدٍ، لَمْ يَعُدْ بَعْدَهَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَحَرَّكَ بِتِلْقَائِيَّةِ الْإِنْسَانِ الْمُفَكِّرِ الْحُرِّ، وَلَا أَظُنُّ إِنِّي مُغَالِيَةٌ إِذَا قُلْتُ إِنَّ عِصْمَتَ شَاهِينَ دُوسْكِي عَلَى قَدْرِ عَظَمَتِهِ فِي صِدْقِ سَرْدِ الْأَحْدَاثِ، إِلَّا أَنَّهُ مُكَبَّلٌ بِالْأَحْدَاثِ الْمُسْرِعَةِ، وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّحَرُّرِ بِسَبَبِ الْوَضْعِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَعَاطِفَتِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي التَّصَرُّفِ وَالسُّلُوكِ، حَيْثُ أَعْطَى دَلَالَةً زَمَنِيَّةً لِلْحَدَثِ الْمُبَكِّرِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ « قَبْلَ الْبِدَايَةِ »، مِمَّا يُلَمِّحُ أَنَّ الْبِدَايَةَ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ، وَمَا سَرَدَ الْأَحْدَاثَ الْأَوَّلِيَّةَ إِلَّا هُوَ اسْتِهْلَالٌ لِلدُّخُولِ إِلَى الرِّوَايَةِ دَاخِلَ الرِّوَايَةِ، وَهَذَا يُعْطِي بُعْدًا فِي الرُّؤْيَةِ وَالتَّحْلِيلِ.
***************
* رواية الإرهاب ودمار الحدباء “الجزء الأول” للأديب عصمت شاهين دوسكي – الايداع 2184 دهوك لسنة 2017م
رفعت للتصميم













