حين يصبح ضوء النافذة وطنًا

أمنية عائشة

 

هذه ليست حكاية عن طفلة فحسب، بل عن قلب صغير يعرف معنى العطاء، وعن بيتٍ صار ضوءه علامةَ حب، وعن مكانٍ لم تعد تربطني به الجدران والطرق، بل طفلة تنتظرني كلما أضاءت نافذتي في الليل.

بعض الأسماء لا تمرّ في أسماعنا عابرة؛ تأتي محمّلةً بحكاياتٍ سابقة ووجوهٍ نعرفها أو نتخيّلها قبل أن نلتقي أصحابها. حين أقول: «عائشة»، قد تمضي الذاكرة إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ، التي حفظت صفحاتٍ مضيئة من السيرة النبوية، وكانت من أعلام التاريخ الإسلامي. وقد تذهب بنا إلى عائشة أخرى، تلك التي غنّى لها الشاب خالد: «عائشة… عائشة»، فحمل الاسم إلى أسماع أجيال كثيرة. وقد نتذكّر عائشة مرّت في حياتنا: طفلةً أو امرأةً تركت ملامحها في الذاكرة ثم مضت.

لكن عائشتي هذه مختلفة.

عائشتي طفلة صغيرة، لم تبلغ بعدُ من العمر ما يجعلها تعرف تعقيدات الحياة، لكنها تحمل حكايةً أكبر من سنواتها، وقلبًا جعلني أتوقف طويلًا أمام معنى العائلة، ومعنى البيت، ومعنى أن يتعلق الإنسان بمكان لأن فيه قلبًا صغيرًا ينتظره.

لعائشة أكثر من بيت، وأكثر من عائلة، وأكثر من حضن. تربّت في كنف جدتها لأمها، بعدما تزوجت أمها رجلًا آخر وأنجبت طفلةً أخرى، وانشغلت بحياتها وأسرتها الجديدة. وهكذا افترقت عائشة عن أمها، ولم تعش طفولتها في بيتها، لكنها وجدت بيتها الحقيقي في بيت جدتها.

كبرت عائشة بين جدتها وخالتها وأخوالها. وكانت خالتها قريبةً منها في العمر، فصار البيت الصغير عالمها الأول، وصارت الأسرة المحيطة بها أمانها اليومي. أما جدتها فكانت الحضن الذي احتواها، والمرأة التي حملت مسؤوليتها كما لو أنها ابنتها.

ولم تكن تلك الجدة امرأة عاشت حياة سهلة. كانت تحمل نصيبها من التعب في صمت، وتعرف معنى أن يكافح الإنسان وحده، وأن يواصل الطريق حين لا يبقى أمامه خيار آخر. مرّت بتجربة قاسية جعلتها مسؤولة عن أولادها، فحملت عنهم ما استطاعت، وكانت، في أوقات كثيرة، الأم والأب والسند معًا.

كبر أولادها، لكن الحياة لم تمنحهم جميعًا ما تمنّوه. بعضهم لم يُكمل تعليمه، وبعضهم لم يجد العمل الذي حلم به، فبقيت الأم تحمل همومهم، وتبحث لهم عن طريق. لم تكن المرأة التي عرفت السعادة كاملةً، لكنها حاولت، وسط كل ذلك، أن تصنع لنفسها نافذةً صغيرة نحو الفرح.

وكانت عائشة واحدةً من أجمل تلك النوافذ.

وجدت الجدة في حفيدتها شيئًا من العوض، وشيئًا من الحنان الذي ظلّت تمنحه للآخرين، حتى حين كانت هي أحوج ما تكون إليه. وهكذا أصبحت عائشة أكثر من حفيدة؛ أصبحت عوضًا. وصارت الجدة بالنسبة إلى عائشة أمًّا أخرى، وبيتًا آخر، وحضنًا لم تعرف معه معنى الوحدة.

وبعد مدة، شاءت الظروف أن يأخذها والدها لتعيش مع جدتها الأخرى، أمّ أبيها، لتبقى قريبةً من بيت العائلة. لكن الحياة كانت تخبئ لها شيئًا آخر. فبعد نحو أسبوع من انتقالها، جاءت جائحة كورونا؛ لم تدخل بيوت الناس مرضًا فحسب، بل أعادت ترتيب أقدارهم، وفتحت أبوابًا وأغلقت أخرى.

أصيبت جدتها بفيروس كورونا وتوفيت، فعادت عائشة إلى كنف جدتها الأولى؛ الجدة التي احتضنتها منذ البداية، وعرفت كيف تكون لها بيتًا حين اضطربت البيوت من حولها.

كانت عائشة محبوبةً من الجميع، وكنت واحدةً ممن أحبّوها. كنت آخذها معي في السيارة، أشتري لها الحلوى والهدايا، وأفرح بفرحتها الصغيرة، وأصغي إلى حكاياتها التي لا تنتهي. لم تكن عائشة تحتاج إلى كثير كي تملأ المكان؛ كانت تملك تلك القدرة الطفولية العجيبة على أن تجعل التفاصيل البسيطة أكبر مما هي عليه.

ولم تجد المحبة في بيتها ومحيطها فقط، بل وجدت محبين حتى من بلاد أخرى. كان أبي يحبها. بدأ ذلك حين جاء أبي لزيارتي في بيتي، فتعرّف إليها وأحبها، ونشأت بينهما ألفة جميلة. كان يتحدث إليها، وكانت تتحدث إليه، وكأن بينهما لغة خاصة لا تحتاج إلى كثير من الفهم.

لم يكن يفهم كثيرًا مما تقوله، فهي تتحدث بلهجة ليست لهجته، ومع ذلك كان يبتسم لها، وتبتسم له. وكأن القلوب، أحيانًا، تفهم ما تعجز الكلمات عن ترجمته. كان يشتري لها الهدايا ويفرح بها، وأصبحت هي أيضًا تحبه بطريقتها الطفولية الصادقة. وحتى بعد مرور نحو أربع سنوات، ما زالت تسأل عنه، وتتذكره، وتنتظر عودته.

عندها أدركت أن بعض المحبة لا تحتاج إلى سنوات طويلة كي تنبت، ولا إلى لغة مشتركة كي تُفهَم. يكفي أن يلتقي قلبان، ولو كان أحدهما صغيرًا جدًا والآخر بعيدًا جدًا.

ثم شاءت الظروف أن أنتقل من البيت الذي كنت أعيش فيه إلى بيت آخر. ابتعدت عنها، لكنني لم أبتعد عنها في قلبي. كنت أعود في الإجازات بين حين وآخر، وكانت هي تنتظرني. تأتي إلى البيت، تنظر إليه، وتنادي اسمي، ثم تقول بلهجتها البسيطة: «أطالتي الغياب».

وكانت تتحدث مع الجدار، ومع باب البيت من الخارج، كأن البيت نفسه يعرفني، وكأن الباب الذي غبت عنه يستطيع أن يحمل إليها خبر عودتي. أما أكثر ما كان يؤثر فيّ، أنها كانت تراقب البيت في الليل؛ تنظر: هل أضيئت الأنوار أم لا؟ فإذا رأت الضوء عرفت أنني عدت.

بالنسبة إليها، كانت إضاءة البيت تعني شيئًا واحدًا:

لقد جاءت.

وكأن طفلةً لا تعرف كيف تصف اشتياقها اخترعت لنفسها طريقة خاصة في الانتظار: أن تراقب الضوء، وأن تجعل من نافذة مضيئة رسالة طمأنة.

ثم غبت عنها نحو سبعة أو ثمانية أشهر. انقطعت سبل التواصل بسبب ظروف خارجة عن إرادتي، ولم أستطع أن أكون قريبة منها كما اعتدت. وحين عدت إلى بيتي، كانت عائشة هناك في انتظاري.

سلّمت عليّ، وبعد أن عبّرت عن فرحها الممزوج بأسئلة كثيرة، قالت:

«هل أحدثك بشيء في خاطري؟»

قلت لها:

«قولي يا عائشة.»

قالت أولًا:

«أريد أن نقيم حفلة عيد ميلاد، وأريدك أن تجمعي لي المال حتى نحتفل، وتكون الكعكة من عشرة أدوار.»

ضحكت وقلت لها:

«أنتِ أصبحتِ عروسًا بطلبك هذا! الكعكة ذات العشرة أدوار تكون للعروس، لا لحفلة عيد ميلاد.»

لكنها لم تتنازل عن فكرتها، وقالت بحسم طفولي لطيف:

«وليكن… أريد كعكة من عشرة أدوار.»

ثم سكتت قليلًا، كأن هناك شيئًا أهم من الكعكة كان ينتظر دوره في الكلام، وقالت:

«وأريد منك أن تحققي لي أمنية في عيد ميلادي.»

قلت لها:

«وما أمنيتك؟»

فقالت:

«أريد أن تشتري لحمًا ورزًا، ونطبخ طعامًا، ثم نوزّعه على المحتاجين، وعلى العمال وعلى كل شخص فقير ليس له أهل هنا.»

توقفت.

طفلة تريد كعكةً من عشرة أدوار، نعم، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تطعم الآخرين.

قلت لها:

«ولماذا فكرتِ في هذا؟»

فقالت كلامًا جعلني أفكر طويلًا. شعرت أن عائشة لم تكن تتحدث عن الفقراء من بعيد، كأنها رأت فيهم شيئًا يشبهها. ربما رأت في العامل الذي يعيش بعيدًا عن أهله صورةً من غياب الأسرة. وربما شعرت بأن هناك أناسًا ينقصهم شيء، وهي تعرف، بطريقة لا تشبه طرق الكبار، معنى أن ينقص الإنسان شيء.

لا أدري.

ربما هي نفسها لا تعرف.

لكنني شعرت أن قلبها الصغير التقط شيئًا لم تستطع الكلمات أن تشرحه.

قلت لها:

«إن شاء الله، سأحقق لك أمنيتك.»

ومنذ تلك اللحظة، قلت في نفسي: سأسمي ما سأكتبه عنها: «أمنية طفلة».

جلست بعدها أفكر: كيف لطفلة في هذا العمر أن تفكر في الآخرين بهذه الطريقة؟ هي لا تعرف المصطلحات الكبيرة التي نعرفها نحن عن الصدقة والعطاء والتكافل، لكنها تعرف شيئًا بسيطًا وعظيمًا في آن: أن هناك إنسانًا يحتاج إلى طعام، وأن من الجميل أن نطعمه.

وربما تكون الفطرة، أحيانًا، أصدق من كل ما نتعلمه.

لكن حكاية عائشة معي لم تتوقف عند أمنيتها. في إحدى المرات أخبرتها أنني سأغادر وأسافر، فاحتضنتني وقالت:

«لا تغيبي واجد عني.»

ثم قالت شيئًا لم أنسه:

«سأدعو الله أن تتأخرين عن موعد الطائرة، وتذهب الطائرة بدونك، ولا تسافرين.»

ضحكت يومها، ولم أكن أعرف أن تلك الكلمات الصغيرة ستعود إليّ بعد أيام.

بعد يومين تقريبًا، قررت السفر ووداع المكان ومن فيه. كنت في ظروف صعبة، وربما كنت متسرعة في اتخاذ قرار السفر. وصلت إلى المطار، وهناك حدثت أمور حتمت عليّ العودة وتأجيل السفر إلى يوم غير معلوم.

وعندما عدت إلى البيت الذي تركته، تذكرت عائشة.

تذكرت دعوتها.

قلت في نفسي: هل يمكن أن تكون دعوة طفلة بريئة قد وافقت لحظة تراجع فيها الإنسان عن قرار كان قد اتخذه؟

بالطبع، لم أقل إن الطائرة توقفت من أجل دعائها؛ فالطائرة لم تتوقف، وإنما أنا التي غيّرت قراري. لكن شيئًا في داخلي ربط بين الأمرين. تذكرت كلامها حين قالت: «إن شاء الله تذهب عنك الطيارة»، وقلت:

يا رب، هل استجبت لهذه الطفلة بطريقتك التي لا نعرفها؟

ومنذ تلك اللحظة، تغيّر شيء في علاقتي بالمكان. صرت أشعر أن عائشة تربطني بهذه الأرض أكثر. كنت أظن أن الأشخاص الكبار الذين عرفتهم هنا هم من صنعوا علاقتي بالمكان، ثم اكتشفت أن طفلة صغيرة يمكن أن تكون جذورًا.

والجذور لا نراها، لكنها تمسك الشجرة بالأرض.

وعائشة أصبحت بالنسبة إليّ شيئًا يشبه الجذر. كلما فكرت في الرحيل، قلت: وماذا عن عائشة؟ ما ذنب هذه الطفلة التي أحبتني وأحببتها؟

ولم تكن عائشة وحدها. هناك أطفال آخرون ربطوني بهذه الأرض؛ أطفال توفيت أمهم وتركت وراءها توأمًا صغيرًا، فبقي أثر رحيلها فيهم، وبقي في كل من عرف حكايتهم. أحيانًا أنظر إليهم وأقول: إذا عدت إلى بلدي، كيف سيكبر هؤلاء؟ هل سيتذكرونني…

أم سيأتي يوم يصبحون فيه كبارًا، وتتغير ملامحهم، ثم أعود فأجد وجوهًا أعرف أسماء أصحابها، لكنني لا أعرفها…

هذا الخوف ليس جديدًا عليّ. لقد عشته من قبل حين غبت عن ليبيا سنوات، وغبت عن أبناء إخوتي، ولا سيما أبناء أخي الأصغر. تركتهم أطفالًا، وحين عدت بعد نحو أربع سنوات، وجدت أشخاصًا لا أعرفهم

لم تكن المشكلة في أنهم كبروا، فالكبر سنة الحياة. المشكلة أنني لم أشهد ذلك النمو. تركت ملامح صغيرة، وعدت إلى ملامح أكبر. تركت أصواتًا طفولية، وعدت إلى أصوات مختلفة. وقلت يومها: لماذا غبت كل هذه السنوات؟ ولماذا سمحت للمسافة أن تأخذ مني مراحل كاملة من أعمارهم؟

ومنذ ذلك الوقت، قلت لنفسي: لن أتعمد أن أغيب عن الأطفال الذين أحبهم أكثر من سنة أو سنة ونصف، لأن الطفل لا ينتظرنا في المكان نفسه. الطفل يكبر، والملامح تتغير، والصوت يتغير، والطفولة التي نظن أنها ستبقى إلى أن نعود لا تنتظر أحدًا.

وهذا ما أخشاه اليوم. أخشى أن أرحل، ثم أعود بعد سنوات، فأجد عائشة قد كبرت؛ قد أصبحت شابة، وتبدلت ملامحها، وأبحث في وجهها عن تلك الطفلة التي كانت تقف أمام بيتي وتراقب الضوء، فلا أجدها.

وذلك يؤلمني.

لأنني لا أريد أن أفقد طفولتها وأنا بعيدة.

ربما لهذا صارت عائشة بالنسبة إليّ أكثر من طفلة. إنها تذكرني بأن الأماكن لا تسكننا بسبب جدرانها، بل بسبب الذين تركوا فيها شيئًا من قلوبهم. نحن لا نسكن المدن بالحجارة، ولا الشوارع بالأسماء، ولا البيوت بالأبواب؛ نحن نسكنها بالوجوه التي تنتظرنا، وبالأصوات التي تنادينا، وبالقلوب الصغيرة التي تجعل من ضوء النافذة علامةً على عودتنا.

كنت أظن أنني مرتبطة بهذا المكان بسبب أشخاص كبرنا معهم، ثم اكتشفت أن الأشياء الصغيرة قد تكون أقوى من كل ذلك:

طفلة.

بيت.

باب.

ضوء في الليل.

حضن.

دعوة عابرة.

وكلمة تقولها طفلة، من غير أن تعرف أنها ستظل عالقة في ذاكرة امرأة كبيرة:

«لا تغيبي عني.»

ربما لا نعرف قيمة بعض الأشياء إلا حين نفكر في الرحيل.

أما عائشة، فما زالت تريد كعكةً من عشرة أدوار، وما زالت تريد أن تتحقق أمنيتها. وأنا وعدتها.

سأشتري اللحم والأرز، وسنطبخ الطعام، وسنوزعه على العمال وعلى من نصادفهم في الطريق ممن يحتاجون إليه. وسأدعها تعطي بيديها، كي ترى فرحة من يأخذ، وتدرك، أو ربما لا تدرك، كم يمكن لقلب صغير أن يصنع من أثر كبير.

لعلها تفهم يومًا ما معنى ما فعلته وهي طفلة.

وربما لن تفهم.

وربما لن تحتاج إلى أن تفهم.

يكفي أنها أرادت أن تجعل يوم ميلادها سببًا في فرح إنسان آخر.

وفي يوم عيد ميلادها، حين تقف أمام كعكتها ذات الأدوار العشرة، سأفكر في كل هذه الحكاية. سأفكر في طفلة كان يمكن أن تطلب لعبةً، أو فستانًا، أو هدية، لكنها طلبت طعامًا للآخرين. سأفكر في دعوتها التي بقيت عالقة في ذاكرتي، وفي البيت الذي كانت تراقب ضوءه، وفي كل الأطفال الذين ربطوني بهذه الأرض.

وسأفهم، ربما متأخرة، أن بعض الجذور لا تنبت في الأرض، بل تنبت في القلب.

عائشة لم تكن تعرف أنها، وهي تطلب مني أن أحقق لها أمنية، كانت تمنحني أنا أمنية أخرى: أن أبقى قريبة من قلب طفلة أحبّتني دون مقابل.

وهكذا، ربما لم تكن تلك أمنية طفلة فقط.

ربما كانت أمنية قلب كبير، خرجت على لسان طفلة صغيرة.

فبعض الأماكن لا تمسكنا بها جدرانها، ولا طرقها، ولا بيوتها؛ إنما يمسكنا بها قلب صغير ينتظر ضوء نافذتنا في الليل.

عندها نفهم أن بعض الأمنيات لا تُقال لكي تتحقق فقط، بل تُقال لكي تكشف لنا أين تركنا قلوبنا.

بقلم نوال إدريس أبخاطره

رفعت للتصميم