
كَيْفَ أَبْدَأُ
كَيْفَ أَبْدَأُ،
يا صَوْتَ نَبَضَاتِي
حِينَ يُطَوِّقُنِي الحَنِينُ؟
يا دَمْعَ عَيْنِي
حِينَ تَغْمُرُهَا سَعَادَةُ رُؤْيَتِكِ،
يا صَوْتَ حَنْجَرَتِي
حِينَ يُغَرِّدُ اسْمَكِ…
تَعَالَيْ،
نُغَرِّدْ لَحْنًا جَدِيدًا
يَمْلَأُ الكَوْنَ سَعَادَةً،
وَيُحْيِي عُرُوقًا
بَاتَتْ دُهُورًا بِاليَبَاسِ،
لِيَتَدَفَّقَ الحُبُّ فِيهَا
كَجَدْوَلٍ أَرْهَقَهُ الجَفَافُ،
فَسَيَّرَهُ الرَّبِيعُ
حِينَ أَذَابَ ثُلُوجَ الشِّتَاءِ.
يَرُوقُنِي هَذَا الشَّوْقُ
رَغْمَ الأَلَمِ،
رَغْمَ البُعْدِ…
يَسْحَبُنِي إِلَى نَظَرَاتِكِ
حِينَ اللِّقَاءِ الأَوَّلِ،
وَيَشُدُّنِي نَحْوَ يَدَيْكِ
حِينَ أَوَّلِ لَمْسَةٍ،
وَيَدْفَعُنِي نَحْوَ رَجَفَانِ قَلْبِي
حِينَ تَقَابَلْنَا.
أَنَا وَأَنْتِ،
وَأَوْرَاقُ الخَرِيفِ المُبَعْثَرَةُ
بَيْنَ قَطَرَاتِ المَطَرِ،
وَمَقْعَدٌ بَلَّلَتْهُ ذِكْرَيَاتٌ،
وَأَحْضَانُ حُرُوفٍ
مَحْفُورَةٍ عَلَى دَفَّتَيْهِ،
تَجْمَعُهَا قُلُوبٌ،
أَوْ تُفَرِّقُهَا دُمُوعٌ.
وَيَدِي…
تِلْكَ الَّتِي تَطَاوَلَتْ
لِتَلْمِسَ دِفْءَ رَاحَتِكِ،
صَمَّاءَ كَانَتْ،
بَكْمَاءَ،
إِلَّا عَنْ كَلِمَاتِ الغَزَلِ.
شَجَرَاتٌ تَعَرَّتْ
مِنْ ثَوْبِ الصَّيْفِ،
لِتَحْكِيَ حِكَايَاتِ عُشَّاقٍ
مَرُّوا أَمَامَهَا،
وَتَنْسُجَ فِي الغَدِ القَرِيبِ
ثَوْبَ الرَّبِيعِ
عَلَى ضِفَافِ جَدْوَلٍ.
وَأُخْرَى
صَمَدَتْ خُضْرَتُهَا
فِي وَجْهِ البَرْدِ القَارِسِ،
تَبُثُّ الأَمَلَ
فِي قُلُوبٍ صَمَدَتْ
فِي وَجْهِ الفِرَاقِ.
حَنِينٌ تَحْمِلُهُ
تِلْكَ الرِّيَاحُ البَارِدَةُ،
تَلْمِسُ القُلُوبَ،
وَتُبَرِّدُ نَارَ شَوْقِهَا المُتَّقِدَةَ.
بُلِيتُ بِقُبْلَةٍ
مِنْ خَدِّهَا…
كَصَاعِقَةٍ نَزَلَتْ،
فَضَرَبَتْ عُمْقَ تَفْكِيرِي.
دَقَّتْ سَاعَةُ مُنْتَصَفِ العِشْقِ…
حَانَ وَقْتُ الشَّوْقِ القَاتِلِ
بِتَوْقِيتِ حُبِّكِ.
تَدُورُ حُرُوفِي
كَعَقْرَبِ الثَّوَانِي،
تُصْدِرُ صَوْتَ تَكْتَكَاتٍ
كَنَبْضِي المُتَخَاذِلِ…
المُتَوَاطِئِ مَعَكِ.
تَمُرُّ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شُعُورًا مُتَنَاقِضًا:
اقْتِرَابٌ…
وَابْتِعَادٌ…
تَمَسُّكٌ…
وَتَكَبُّرٌ…
وَذِكْرَيَاتُ فَرَحٍ
وَغُصَّاتُ قَلْبٍ.
تَدُورُ أَفْكَارِي
كَعَقْرَبِ الدَّقَائِقِ…
سِتُّونَ فِكْرَةً
تَلِيهَا سِتُّونَ أُخْرَى.
أَعُودُ أَمْ لَا أَعُودُ؟
أُرَاسِلُكِ
أَمْ أَبْقَى حَبِيسَ صِرَاعِي مَعَ قَلْبِي؟
أُلَازِمُ شِعْرِي
أَمْ أَمْحُو كُلَّ مَا كَانَ
يُثَبِّتُ نَظَرِي المُبْتَلَّ
بِدُمُوعٍ لَا أَمْلِكُ
أَنْ أَحْبِسَهَا فِي المَآقِي؟
عَلَى سَاعَةِ الصِّفْرِ…
مُنْتَظِرًا أَنْ يَلْحَقَ الثَّلَاثَةُ
بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ،
حَتَّى إِذَا الْتَقَوْا…
الْتَقَوْا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ:
أُحِبُّكِ…
اشْتَقْتُ لَكِ…
حَتَّى مَشَيْتُ
فِي شَوَارِعِ دِمَشْقَ المُبَلَّلَةِ،
أُحَدِّثُ قَطَرَاتِ المَطَرِ عَنْكِ،
أَشْكُو وَلَهِي لِلْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ،
وَأُسِيلُ دُمُوعَ اليَاسَمِينِ
بِبُكَاءِ رُوحِي.
هُنَا…
حَيْثُ هَزَّتْ ضَحْكَتِي
جُدْرَانَ الحَارَاتِ،
وَهُنَا…
حَيْثُ انْهَمَرَتْ دُمُوعِي
فَصَارَتْ كَالسَّيْلِ عِنْدَ الفِرَاقِ.
أَنَا وَحُبِّي نَسِيرُ،
وَفِي أَيْدِينَا شُمُوعُ صَلَاةٍ
تَطْلُبُ الرَّأْفَةَ.
يَرْفُضُكِ كُلُّ مَا فِيَّ،
إِلَّا قَلْبًا أَدْمَنَكِ…
فَسَلَّمَ نَفْسَهُ لِحُبِّكِ
صَاغِرًا.
حُلْمٌ كُنْتِ…
وَحِينَ اقْتَرَبَتْ
لَحْظَةُ تَحْقِيقِهِ،
هرَبَ الزَّمَنُ بِكِ
إِلَى غَيْرِ رُجُوعٍ.
وَمَا زِلْتِ أَنْتِ وَدِمَشْقُ…
وَسَتَبْقَيَانِ
سِرَاجَ رُوحِي
فِي ظَلَامِ الحَيَاةِ،
وَنُقْطَةَ عِشْقٍ
حَتَّى النِّهَايَةِ.
فِي حَضْرَتِكِ
يَقِفُ الجَمَالُ مَذْهُولًا،
وَيُلْقِي الصَّبَاحُ
تَحِيَّةَ عَيْنَيْكِ،
وَتُرَدِّدُ الشَّمْسُ
مَعَ الزُّهُورِ وَالعَصَافِيرِ:
جَمِيلَةٌ…
جَمِيلَةٌ…
وَاحِدَةٌ،
مَمْشُوقَةٌ،
مَيَّاسَةٌ بِحُسْنِهَا،
بَاذِخَةٌ.
سَأُطْلِقُ الصَّمْتَ…
فَهُوَ الأَشَدُّ وُضُوحًا
فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ،
وَهُوَ أَكْثَرُ شَيْءٍ
سَيُعَبِّرُ عَنْ شُعُورِي تِجَاهَكِ.
أَوَلَيْسَ الصَّمْتُ
فِي حَرَمِ الجَمَالِ
جَمَالًا؟
كَمْ يَحْتَاجُكِ هَذَا الشِّتَاءُ…
بَلْ كُلُّ شِتَاءٍ!
فَإِشْرَاقُ وَجْهِكِ
وَضِيَاءُ عَيْنَيْكِ
يَبُثَّانِ الدِّفْءَ فِي الرُّوحِ،
وَالطُّمَأْنِينَةَ فِي القَلْبِ،
وَيُعِيدَانِ الحَيَاةَ
إِلَى العُرُوقِ المُتَيَبِّسَةِ.
عماد شناتي
رفعت للتصميم













