المقال الانتربولوجيرقم 06

بقلم ا.د حمام محمد..الجزائر

المقال الأنثروبولوجي: المحبة والنفور من المجهول:* الاخر*

مقاربة أنثروبولوجية في المحبة والكره.. يوم يقول الزائر للاخر نحبك غير هاك من عند ربي

الوجه المحبوب من قبل الناس، والذي ينشرح له كل ناظر، حتى لا يظن أنه يحظى بمكانة نرجسية خاصة، مثل هذا الرجل أو المرأة معروفان بالقبول الحسن لدى الناس. فكثيرًا ما نصادف أشخاصًا نحبهم دون سابق معرفة بهم، وكأن بيننا وبينهم صلة خفية لم ندرك أسبابها.وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الظاهرة في قوله: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (متفق عليه). وهو حديث يفتح مجالًا للتأمل في طبيعة الانجذاب والنفور بين الأشخاص، حتى في غياب المعرفة السابقة.

يقول العلم إن تفسير هذه الحالات يعود إلى جانب نفسي يتعلق بالتخاطر أو بالتمثل بإحدى السمات البارزة لشخص سابق عمل معك معروفًا، فتتذكر ما سمعته عنه، فتحب مثيله، وكأنه الشخص نفسه الذي نسيته. وقد تكون الذاكرة النفسية قد احتفظت بصورة سابقة، فأعادت إنتاجها عند اللقاء بشخص آخر يشبهها في بعض الصفات.

إن هذا السلوك أصبح جد مألوف في مجتمعاتنا العربية، وعلى قدر كبير من الأهمية، فقد ذهب الكثير إلى تفسير هذه الظاهرة بالأمور العرفانية أو الروحانية التي ذكرها ابن رشد وابن سينا، وقد آمنت الباراسيكولوجيا الحديثة بأن هذه الأفعال، رغم غرابتها، إلا أن لها جانبًا من التواجد الغيبي، والذي يظل الإنسان عاجزًا عن تفسيره، مما يخلق لديه قلقًا مستمرًا ودائمًا حول التفسير الأنثروبولوجي لظاهرة محبة المجهول أو كراهية المجهول. غير أن هذه التفسيرات تظل متفاوتة في قوتها العلمية، ولا يمكن اعتبار التخاطر أو التأثير الغيبي حقائق علمية مثبتة.

أغلب الدراسات أرجعت السبب إلى تماثل بيني بين محبين مقبولين في المجتمع، أحدثوا شرخًا في ذاكرة الرائي، فتقلد بصفاته أو تقمص أدواره. وقد ذهبت أعمال ليفي شتراوس إلى النظر بعمق إلى هذه الظاهرة على أنها أعمق من المعنى، وليست ظاهرة انفعالية تظهر حول انفعالات، ثم تذهب تلك الانفعالات. فالتمثلات الاجتماعية لا تقف عند حدود الانفعال العابر، بل قد ترتبط ببنى ثقافية ورمزية تتشكل في الذاكرة الجماعية.

رمزيًا، فإن الشخصية الحديثة لمعرف المجهول هي شخصية دائمة الحضور في ذهنية الآخر، خاصة إذا كان يملك ثقافة سابقة في المحبة ومجاميعها، من أخلاق مقروءة في الروايات والقصص، وحتى بالحضور. وقد يكون هذا الحضور صورة من الصور التي تستقر في الوعي، فتجعل الإنسان يستقبل شخصًا غريبًا كما لو أنه يعرفه منذ زمن بعيد.

وأغلب ما في الأمر أن هذه الظاهرة ظلت مرتبطة بالرفعة داخل مجالس الشيوخ، حيث يُسمّى المرافق من جديد بأنه انسان زين ويصلح للإمارة، فيتهيأ شخصيًا من قبل جملة يقول بها أحدهم في مجموعة. وقد يتحول هذا القول إلى حكم اجتماعي يمنح صاحبه مكانة خاصة، حتى قبل أن تتضح حقيقة شخصيته أو أفعاله.

ولو قسنا متعرضي التجارب عند العلماء، فإنهم يهتمون بالسر في ذلك، وبالرجوع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد قضية المحبة الخافية، حيث أعلن جبريل بأمر ربه في الناس بأن فلانًا يحبه الله، فأحبوه، فيحبك كل الخلق بالسر الإلهي والسر الأعظم، وهذا تفسير شرعي للانجذاب نحو القداسة والتماشي معها.

وقد ورد في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» (رواه البخاري ومسلم). وهذا الحديث يوضح جانبًا من المحبة التي يهبها الله لعباده، ويجعل القبول في الأرض من آثار محبته لعبده، دون أن يعني ذلك أن كل محبة اجتماعية دليل على منزلة روحية خاصة.

هذا جانب ملفت للانتباه، خصوصًا وأنه في الآونة الأخيرة ظهر شباب وشيوخ بهذه المواصفات، وما أكثرهم في المساجد. ولو نترك تلك التفسيرات إلى جانب، ونأخذ بالتفسير الديني القائم على محبة الله لعباده دون علم خلقه، فكل يعمل مع ربه أعمالًا جليلة يحبها الله، فتجعله محبوبًا عند ربه، في ضمانه صبح مساء، غير مكترث بالعباد، لأنه اعتقاد راسخ بأن الله معه.

وفي السنة النبوية ما يؤكد هذا المعنى، وفي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ (مريم: 96). فالآية تربط بين الإيمان والعمل الصالح وبين الود الذي يجعله الله لعباده، وهو ما يفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين السلوك الديني والقبول الاجتماعي.

وفي السنة، من اعتقد بذلك فقد تحقق، ومن وصل إلى المراد، ألم يجعل مولانا النبأ المثير فيما حكاه في الأنبياء من أولي العزم والصالحين من عباده؟ فقد جعل الله من المحبة والاصطفاء ما كان علامة على منزلة بعض أنبيائه وعباده الصالحين، كما جعل الصبر والإخلاص والعمل الصالح من صفاتهم البارزة.

ولو نسوق أمثلة عن حب الناس لبعضهم دون مقابل، فلن تكفي كتب الأرض، لأن المحبة الإنسانية تتعدد أسبابها ومظاهرها، وتتجاوز أحيانًا حدود المصالح والمنافع المباشرة. وهنا تتجلى أهمية المقاربة الأنثروبولوجية التي لا تكتفي بوصف المحبة والنفور باعتبارهما انفعالين نفسيين، وإنما تنظر إليهما بوصفهما ظاهرتين تتداخل فيهما الذاكرة والثقافة والرمز والمعتقد والتمثلات الاجتماعية.

رفعت للتصميم