
مندي اليمن السعيد: حين تجتمع الأصالة والعراقة تحت سقف واحد
بقلم : سلمى صوفاناتي
في زاوية تنبض بالحياة من حارة “الهواش” في دمر، يقف “أبو العز” بابتسامته المعهودة ووقاره الهادئ، يراقب عن بعد تفاصيل مملكته الصغيرة مطعم “مندي اليمن السعيد”، التي تطفئ هذا العام شمعتها العاشرة، بعد عقدٍ كامل من التميز الذي بدأ حكايته صرحاً خالصاً للمندي وحده، قبل أن يتسع الأفق مؤخراً ليحتضن أطايب المنيوم الجديدة. اقتربتُ منه، وبدأنا الحديث وكأننا نقلّب صفحات رواية دمشقية عتيقة امتزجت بملح الغربة وذكرياتها.
– س ١ : عشرون عاماً أمضيتها في رحاب السعودية صنعت خبرتك، واليوم يحتفل مطعم “مندي اليمن السعيد” بعامه العاشر هنا في دمر.. كيف تبدو حكاية البدايات حين تستعيد شريط الذكريات؟
– ج :
أبو العز (مبتسماً وهو يستعيد طيف الماضي):
أهلاً بكِ أستاذة سلمى في رحابنا. عشر سنوات يا سيدتي هي عمر مطعمنا العريق “مندي اليمن السعيد” هنا في دمر الحبيبة ، لكن رحلتي أنا بدأت قبل ذلك بكثير؛ فقد أمضيت عشرين عاماً كاملة في المملكةالعربية السعودية ، وهناك تشرّبتُ أسرار الصنعة وأصول الضيافة الحقيقية. بدأت حكاية هذا المكان هنا قبل عقد من الزمن، وكان مخصصاً للمندي وحده، لنُقدم لأهلنا الدمشقيين زبدة التراث الحضرمي الأصيل. وحين وسعنا خطواتنا مؤخراً لنضيف أطباقنا المتنوعة، أردنا أن نعلّق اللقمة الهانئة بجسر يربط بين أصالة اليمن وعراقة الشام وذكريات السنين الطويلة. حين تفتح باب مطعمك كل صباح على دعوات الصالحين وابتسامات الجيران، تدرك أن الطعام ليس ما يسد الجوع فحسب، بل هو فنّ في صناعة الألفة.
– س ٢ : حين يتأمل المرء قائمة طعامكم اليوم، يلحظ سحراً خاصاً يرتكز على “مندي حضرموت” الشهير بالدجاج المحمر الذهبي.. وكأننا نسمع سرّاً عظيماً وراء هذه النكهة الفريدة، فما هي حكاية الأرز والتوابل؟
– ج :
السر يكمن في الأمانة للأصل يا أستاذة! مطعم “مندي اليمن السعيد” وُلِد وفي عروقه دماء “مندي حضرموت” الحقيقي. ولأنني عايشت أسرار النكهة في السعودية لعشرين عاماً، فإننا لا نرضى بالبدائل؛ فأكياس أرز المندي البسمتي الهندي الممتاز نجلبها خصيصاً من هناك، وكذلك التوابل الهندية الأصلية التي تمنح القدر هويته الساحرة. ولأننا نحتاج ليدٍ تتقن العزف على أوتار هذا التراث، أتينا بالشيف “أبو محمد” خصيصاً من اليمن الجريح إلى دمشق، ليكون هو المايسترو الذي يُدير أسرار المندي والدجاج المحمر بحرفية لا تقبل المنافسة. “أبو محمد” لا يطبخ فحسب، بل يُلقي تعاويذ التراث في حفر المندي.
– س ٣: ومع توسعكم الأخير، باتت المائدة تضم اللحوم الطازجة وصولاً إلى الأطباق السورية الأصيلة كالأكل المنزلي والوجبات الغربية في “سناك كريزي العز”.. كيف تديرون هذا التنوع المذهل؟
– ج :
نحن نحب التنوع الذي يشبه قلوب الناس. إلى جانب إبداع الشيف أبو محمد في تخصصنا الأصيل، استقطبنا نخبة من أمهر الطباخين السوريين الذين يُبدعون في تقديم أكل مثل طبخ البيت؛ فتجدين لديهم الشاكرية، والشيش برك، والكبسة باللحم والدجاج، ومقلوبة البتنجان، وصولاً إلى صواني الكبة باللبن ومحشي ورق العنب . وفي الوقت ذاته، لم ننسَ الجيل الجديد، فأوجدنا “سناك كريزي العز” لنلبي رغباتهم في الوجبات السريعة والبرجر بكل حب. الطاهي الماهر هو من ينظر إلى رغبة ضيفه وكأنها رغبته الخاصة، فإما أن تُطعمهم طعاماً نظيفاً وشهياً كبيوتهم، أو فلا.
– س٤: عشر سنوات من عمر مطعم “مندي اليمن السعيد” لم تكن لتكتمل لولا بصمة واضحة في خدمة المناسبات الكبرى والحفلات، فضلاً عن التوصيل الذي يطرق بيوت الأحباء حتى منتصف الليل.. ما هي رسالة أبو العز اليوم لكل زبون عبر هذه الصحيفة؟
– ج :
رسالتي مختصرة كنبض القلب: شكراً لأنكم رافقتمونا طوال سنوات العقد الأول منذ أن بدأنا بالمندي وحتى اليوم. نحن مستعدون دائماً لتلبية جميع المناسبات والحفلات بأسعار خاصة تليق بمحبتكم. وبيوتكم في دمر التي نصل إليها بخدمة التوصيل حتى بعد منتصف الليل هي امتداد لبيتنا. ما دام في العمر بقية، سنبقى نوقد نار المحبة في حارة الهواش، لنقدم الأجمل والأطيب، فأنتم السعادة التي يحمل اسمها مطعمنا بحق.
– س٥: وقبل أن نختم هذا اللقاء الطيب يا أبو العز، هل من كلمة تود توجيهها للصحافة ومنبرنا الإعلامي؟
– ج :
كل التحية والتقدير أبعثها عبر منصة “الرواد نيوز الدولية”، تلك الصحيفة التي تثبت دوماً أنها نبض الحقيقة وقريبة من نبض الناس. والشكر الجزيل لرئيس تحريرها الفاضل الأستاذ والصديق د. أشرف كمال على جهوده الجبارة في إعلاء كلمة الصحافة الراقيّة. ولا يسعني في ختام هذا اللقاء إلا أن أرفع القبعة احتراماً واعتزازاً لقلمكِ الراقي أستاذة سلمى صوفاناتي؛ فبحرفكِ العذب وشفافيتكِ استطعتِ أن تنقلي روح المكان وحكاية تعب السنين بصدق وإبداع لا يُبارى.
[ الخاتمة ]
غادرنا مطعم “مندي اليمن السعيد” ورائحة الهيل والبهارات الهندية العتيقة القادمة من عبق السنين تعبق في ثيابنا، متأثرين بذلك المزج الفريد بين ذكريات “أبو العز” في السعودية، وأصالة الشيف “أبو محمد” القادم من بلاد اليمن، ولمسات الطهاة السوريين. إنه ليس مجرد مطعم، بل هو حكاية نجاح دمشقية دافئة تنبض بالحياة.

رفعت للتصميم













