
المقال الانتربولوجي 04
.ا.د حمام محمد. جامعة الجلفة..الجزائر
مُولُ الخُبْزَةِ: أَنْثَرُوبُولُوجِيَا الكَرَمِ وَالسَّخَاءِ فِي المَرْوِيَّاتِ الشَّعْبِيَّةِ
تَرْتَقِي العبارةُ الشعبيةُ التي ضُرِبَت بها أمثالٌ شعبيةٌ كثيرةٌ في ربوع الوطن الغالي، وهي كلمةٌ وصفيةٌ للكريم، بـ «مُول الخُبْزَة»**، إلى مستوى ملفوظٍ اجتماعيٍّ له دلالاته في الذاكرة الشعبية. فكيف ارتبطت الخُبْزَةُ في المرويات الشعبية بالكرم والسخاء؟ ولماذا الخُبْزَةُ بالذات؟المتتبِّع لأنثروبولوجيا السِّيَر الشعبية، في قصص الغابرين أو حتى في المرويات العالمية، يجد أن الخُبْزَ ظل حاضرًا في حياة الإنسان بوصفه أحد أهم الأغذية التي ارتبطت بالقوت والحياة. والخُبْزَة، المشتقة لفظًا من الخُبْز، ارتبطت فعلًا بالحبوب، قمحًا وشعيرًا، وهو الغذاء الذي أكرم الله به الكائنات عبر أزمانها ليكون قوتًا للأجسام.
وهي من النعم التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ولعل حضور الطعام في حياة الإنسان يتضح في قوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾.
وإذا قِسنا هذه النعمة وحدها إلى جانب الماء، فهي تكاد تختصر جانبًا كبيرًا من معنى الحياة؛ فالماء أصلٌ في حياة الكائنات، والحبوب والطعام أساسٌ في استمرار الأجسام. ولذلك جاء قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، وجاء ذكر الحبوب والطعام في سياق تعداد النعم التي تقوم عليها حياة الإنسان.وقد ورد عن المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، مما يدل على أن القوت اليومي يحتل موقعًا أساسيًا في حياة الإنسان، وأن امتلاك ما يسد حاجة اليوم يمثل في ذاته نعمة عظيمة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من ارتباط الخُبْز بالذاكرة الشعبية؛ فالخبز ليس مجرد مادة غذائية، وإنما هو قوتٌ يومي، وما كان قوتًا للإنسان تحوَّل في المجتمعات التقليدية إلى علامة من علامات العطاء. فحين يقول المجتمع عن شخص إنه «مُول الخُبْزَة»، فإن العبارة لا تقف عند حدود الخبز ذاته، وإنما تتجاوز مادته إلى فعل الإطعام والعطاء.وللخبز تاريخ كبير أشارت إليه أنثروبولوجيا الغذاء عبر مراحل مختلفة، إذ تنوعت طرائق صناعته مع تطور الوسائل والتكنولوجيا الحديثة، وأصبح يصنع بعدة كيفيات، لكنه في الأول والأخير ظل المادة النشوية نفسها، المرتبطة بالحبوب وبقوت الإنسان.
وقد دخل الخبز في العادات الغذائية للمجتمعات، كما دخلت الحبوب في المخيال الديني والاجتماعي المرتبط بالإنفاق والعطاء. ويكفي أن الحبة نفسها أصبحت صورة للإنفاق: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾.وهنا تلتقي الحبة التي يصنع منها الخبز مع الحبة التي ضُرب بها مثل الإنفاق؛ فالحبة في أصلها شيء صغير، لكنها تحمل قابلية التكاثر والعطاء، مثلما يتحول العطاء القليل في المخيال الاجتماعي إلى أثر كبير.
ثم يأتي المعنى الأوسع للإنفاق في قوله: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. والخُبْز، بوصفه طعامًا يوميًا، يدخل في دائرة الأشياء التي يحتاجها الإنسان لنفسه، ولذلك فإن إعطاءه للآخر يحمل في الذاكرة الشعبية معنى المشاركة في القوت.
كما يتجسد إطعام الطعام في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.ومن هنا أخذ إطعام الطعام مكانته في الذاكرة الاجتماعية، وأصبح الرجل الذي يكثر من إطعام الناس وإكرامهم يُنظر إليه باعتباره صاحب بيت مفتوح، وصاحب مائدة، وصاحب عطاء، حتى أصبح وصفه الشعبي «مُول الخُبْزَة».
كما أن معنى الإنفاق يتصل بما جاء في: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وهو ما جعل الصدقة وإطعام المحتاج من الممارسات التي تحولت في كثير من البيئات الشعبية إلى عادات اجتماعية متوارثة.
إن أمر احتدام الخبز أو الغنم للصدقات أو المعروف، كما اصطلح عليها الناس، كان دائبًا في مجتمعنا العريق في الصحراء والمدن الحضرية منذ زمن بعيد، فكثيرًا ما كان الإنسان يخصص من خبزه أو غنمه أو طعامه للمحتاجين، فتحولت الصدقة من فعل فردي إلى ممارسة اجتماعية.ولذلك تكاد لا تعدم اليوم، أثناء زيارات فجائية إلى أي منطقة، أن تصادف صواني كثيرة من القهوة والأطعمة النشوية، كالعيش والكسكسي، على سبيل الصدقات، وإيمانًا بأن الصدقة لا تنقص من مال الإنسان، حسب ما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ».
فالإكثار من التصدق في كل الأيام جعل المجتمع يعطي أولوية لهذا المكثر، بوصفه صاحب خُبْزَة، أو صاحب ترتيب اجتماعي لا يصل إليه إلا منفق في سبيل الله، وعلى الدوام وفي كل الأوقات. فيشهد له الخلق دنيويًا بما رأوا من عطائه، ويُرجى له من الثواب الأخروي بقدر ما قدّم وأنفق.فقد يصبح المتصدق في الخفاء والعلن صاحب خُبْزَة؛ أي متصدقًا دائمًا، كريمًا، مريمًا، لا تنقطع علاقته بالعطاء.
ومما رأيته في كثير من ولايات الوطن، وحتى في الخارج، في مصر وتونس وتركيا، يسود هذا العقد الاجتماعي المشترك حول «مُول الخُبْزَة»؛ فيدعوك إلى الإقامة عنده، مكثرًا من ضيافتك، دون أية مصلحة تعتريه، بل يعتريه الفرح على الدوام بإكرام الضيف، وليس ضيفًا واحدًا.
وتحضر هنا قيمة الضيافة بما ورد في الموروث الديني من الحث على إكرام الضيف، وفي الحديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ».وقد تمحورت هذه الصدقات في الولائم الجماعية والوعدات التي تقام، في شقها الخاص بالصدقة، كل عام؛ يجتمعون ليأكلوا ما لذ وطاب، باحثين عن السكينة وشعور الفرح بالتقرب إلى مولاهم حين يتصدقون.وقد سجلت في كثير من الموائد في الزوا
رفعت للتصميم












