
يَقينُ… وَردةٌ في فَمِ العاصفَةِ
يَقينُ… وَردةٌ في فَمِ العاصفَةِ
يَقينُ…
يا وَجَعَ المدينةِ !!!
يا وَردةً في فَمِ العاصفَةِ
مرّتْ على هذا الزّمانِ
تمضي إلى غَدِها بأجنِحةِ الفَراشِ
فلم تجدْ غيرَ الخرابِ…
كانتْ تُهيّئُ دفءَ الوَسائدِ للحَكايَا
فجاءَها اللّيلُ
مِن غَيرِ أحلامٍ ولا نجومْ
مُشهِرًا سوطَ العَذابِ…
كانت تظنُّ أنّ اللّيلَ
عباءةً زرقاءُ
تغطّي كتِفَ السّماءِ
وأنَّ النّجومَ
ثقوبٌ صغيرةٌ
يتسرّب منها نورُ اللّهِ
ليطمئنَّ عليها….
بَريئةً ما زلت…
أصغرَ مِن أن تَفهَمَ
أنّ اللّيلَ في مدينتِها مُختلِفٌ
عن ليل الخَيالِ والأحلامِ
في قِصصِ الطّفولةِ…
وأنّه يفتحُ الأبوابَ
دونَ أن يستأذنَ
ويقتَحِمَ الخدورَ
لِيُدخِلَ التّفسّخَ والتّوحّشَ…
لِيُرَحّبَ بالجريمةِ…
ليغتالَ البَراءَةَ والفَضِيلَةَ…
يَقينُ…
في جسدِك الطّفلِ
انكسرَ اليقينُ
كما تَنكسِرُ نافذةٌ
كانت تطلُّ
على شمسِ الصّباحِ
فتنكَفِئ الزّهورُ على وسَنِها
ويبهَتُ لونُ الفَراشِ
ويصيرُ الطّريقُ
أطولَ من عمرِ العجائزِ….
لو كانَ للأزهارِ صَوتٌ
لَصرخَت مع صُراخِك تلك اللّيلةَ
لو كان للحَجَرِ قلبٌ
لرجّ الشّوارعَ والمَبانِي
وقضّ مَضاجعَها لأنّك لم تنامِي…
لو كان للقمرِ عيونٌ
لأقفل نوافذَهُ مِن هَولِ الفجِيعةِ…
لو كانت للأشجارِ أقدامٌ
لترَكتِ الغابةَ
ومَشت إليك تمدّ افنانا مَنيعَةً
لكنَّ الجريمةَ ليسَ لها قلبٌ
ولا عَينٌ تَرَى
لها أيدٍ وأنيابٌ وخنجَر….
لَهَا الصّمتُ الّذي
أرخى سُدُولَه على فظائعِنا
لَها ضوءُ المُدُنِ الصّاخِبُ
في القصورِ والمَلاهِي
لها ظلامُها في الموانئ
حَيثُ يَغيبُ حرّاسُ الطّفولةِ…
ماذا جرى للبَلَدِ؟؟. يا يقينُ !!!
كيف استحالَ المَقهى
صخرا يحمِلُ نابًا وسُمّا ؟؟
كيف صَار البيتُ خوفًا
والطّريقُ كمينًا ؟؟
كيف نَزعَ الإنسانُ عنه
ما تَبقّى مِن سُلالتِه الأصيلةِ ؟؟
كيفَ صار الحَيفُ
هو الأصلُ والرّهان ؟؟!!
مَن أخبر الوحوشَ
أنّ البراءة في هذي البلادِ
أبوابُها بلا حُرّاسٍ ؟؟
مَن سلّم مفتاحَ غُرفتِكِ
إلى دَياجيرِ الرّذيلَةِ؟؟
مَن أوهم الصّمتَ
بأنّه طَوقُ نَجاةِ الآمِنين ؟؟
أيُّ عصر هذا الّذي
تُصلَب فيه البراءةُ
ونظلّ في أماكننا نبحثُ
عن خطاباتِ التّعاطفِ صَامِتين؟؟
أيُّ عَصرٍ هذا الّذي
عنده تَقفُ اللّغةُ مَصدُومةً
لا تستطِيعُ الكلامَ؟؟
أيُّ عصرٍ هذا الّذي
يُعلّمُ أطفالَهُ معنى الخوفِِ
قبلَ أن يعلّمهم
أبجديّاتِ الأحلامِ ؟؟
يا ويلَ كلّ يقين
مِن اغتِصابِ الأمانِ والسّلامِ !!!
يقين…
يا أيُّها الاسمُ
الّذي يحمل وطَنًا ووعدًا !!
كيف صارَ العالمُ
أقلَّ مِنكِ يقينًا ؟
أنتِ الصّغيرةُ
الّتي لم تعرف بعدُ :
كيف تكذبُ على المرآة…
أو كيف تُخفِي الحِقدَ والخوفَ
وراءَ مَكرِ البَسَماتِ…
أو كيف تُخَبّئ جُرحَها
بمساحيقِ الكبارِ !!!
سامحينا…
إذ تواطَأنا مع اللّيلِ عليك :
كم أتقنّا الصّمتَ
حين ينبغي أن نصرخَ…
كم أحجَمنا عن النّظرِ بعيدًا
حين ينبغي أن ننظر…
كم قَبِلنا…
أن نسمّيَ التّوحّشَ «حادثا»،
والجريمةَ «خبَرًا»
والخوفََ «شعورا عاديّا و عابرًا !!
فلا تَخجلي من جرحِكِ
يا يقين…
العارُ ليسَ عارَك ..
هو عارُ قومٍ
رأوا الطّفولةَ تُجَدّلُ مِزَقًا
فخرسوا حتّى عن الدّعاء
خاضِعين…
رأوا الوُحوشَ قريبَةً مِنكِ
فأغلقَوا نوافذَهم
وأطفأَوا المصابيحَ
وناموا هانِئين !!!
لا تبحثي عن صورة للعارٍ
في المرآةِ
فمرآتك مُطهّرَةٌ
ستظلّ ناصعة رغمَ النّزيفِِ
ووردُ طفولتِكِ بريءُ
لا يحملُ أبدًا ذنبَ الذين
أضاعوا شَدوَك مع عصَافيرِ الحديقَةِ
وألوانِ أجنحة الفَراشِ…
العارُ… أن يَمرَّ صُراخُك خافِتًا
ولا يدكّ أرجاءَ البِلادِ
أن تُذبحَ حماماتُ الطّفولةِ
تحتَ سِيقانِ الكَراسي
ثمّ نواصِلَ صَمتَنَا
ونظلّ نشربَ في المساءِ قَهوتَنا
ونشاهِدُ صُورتَك
مثلما نُشاهِدُ نشرةَ الأخبارِ
غيرَ عابئين !!!
يَقينُ…
يا آخرَ وردةٍ في حديقةٍ
نسيَ الأنامُ مَلَامِحَ
الإنسانِ فيها !!!
يا أكبرَ مِن طفلةٍ
انتِ قضيّتُنَا
وسؤالٌ أعمَقُ مِن كلّ الجراحِِ !!
كذِبَت وجوهُنا
وأقنعَةُ الإشفاقِ
في مرايانَا المُريبةِ
وَحدَها صَدقتْ مرآتُكِ…
مِن صدقِها سأكتبُ اسمَكِ
بالحبرِ والجَمرِ
على جبينِ الفجرِ
سأعلّقُه تحتَ عَينِ الشّمسِ
كي يعرفَ القادِمُون
أنَّ طفلةً واحِدةً
قد تفضحُ عصرًا كاملًا.
وأنَّ البراءةَ حين تُذبَحُ
لا تنزفُ بِمُفردِها
إنّما….
قلبُ الأرضِ ينزفُ معَها…
مَوجُ البَحرِ يثورُ لِأجلِها..
وَجهُ السّماءِ يبكي معَها..
وينزِفُ معَها ما تبقّى فينا
مِن خجَلِ الإنسان ومِن يقين…
آ ه يا وَجعَ المدينةِ
يا يقين…!!!
كوثر بلعابي
( تونس في 29 سبتمبر 2026 )
رفعت للتصميم













