
الأغنية السوريّة
الأغنية السوريّة
كما حاول تجسيدها عز الدين الأمير
بقلم: ناريمان منصور
خُلق هذا الكون كلمةً تجسّدت صورة حسيّة أدركها الوعي وتفاعل معها وفق حوّاس بعينِها، فكانت حاسّة السمع الأقرب إلى مُدرَكات هذا الوعي بما يصل إليه من مُرسَلات نابضة يتفاعل معها، يُترجمها فيعكسها إلى الخارج على هيئةٍ ما.
تأخذ إحدى هذه المُنعكسات السَّمعية منحىً فنيًّا جماليًّا شئنا أن نُطلق عليه اسم “الموسيقا”، ومِن ثمّ ومع تسلسل الحركة الحضاريّة لدى الشعوب وظهور الكلمة، تمّت مَوسقة هذه الكلمة فظهرت “الأُغنية”.
لا يغيب عنّا أنّ أوّل قطعة موسيقيّة في التاريخ ظهرت في أوغاريت السوريّة، ولا مَشاحة في القول إنّني لستُ في وارد تقديم قراءة تأريخيّة لمَسيرة الموسيقا والغناء.
إذن، هي الموسيقا السوريّة والأغنية السوريّة. وهنا يظهر سؤال الهُويّة بشكلٍ تلقائيّ! ما هي هُويّة الأغنية السوريّة، وما هي مكوّنات هذه الهُويّة ومقوّماتها؟ هل أن تكون جنسيّة الفنّان سوريّة؟ هل هي في اللهجة السوريّة المَحَلّيّة، حمويّة أو دمشقيّة أو فُراتيّة أو لهجة جبل حوران والسويداء؟ إنّ هذا يوقعنا في مطبّ تشتيت الهُويّة مناطقيًّا وتشويهها، بل وإخراجها مِن مَحواها الوطنيّ الأصل.
لقد طالَعَنا كثيرون ممّن اشتغلوا في فنّ الموسيقا والغناء عن نماذج غنائيّة جاءت ابنة بيئتها، وتناهت تُراثًا بقيَ في الذاكرة عنوانًا ثابتًا سُجّل كعلامةٍ فارقة على مستوى حضارات الأمم؛ فها هي القدود الحلبيّة، واللالا الحمويّة، والعتابا، والموليّا، والنايل، والسويحلي، والميمر والأبوذيات الفراتيّة.. وصولاً إلى الأغنية الساحليّة والجبلية والحورانيّة… وغيرها.
وهذي، مِنها ما اعتنى بالعاطفة والوجد واللوعة والفراق وخيانة الحبيب والحنين إلى الوطن والتمسّك بالأرض، فرسخت في الأذهان أسماء مثل صباح فخري وكارم محمود وزكيّة حمدان وفهد بلّان ومصطفى نصري وذياب مشهور وريبر وحيد وميادة بسيليس وموفق بهجت وأصالة نصري وفؤاد غازي وسميح شقير وحسام تحسين بيك وفهد يكن وأمل عرفة.. وكثر غيرهم…
غير أنّ سويّة هذه الأغنية وموسيقاها لم تكن بحركةٍ مُتصاعدة رقيًّا لجهة النوع والأداء وموضوع المُعالَجة؛ بل جاءت في حالة خطّ بياني مُتذبذب يرتقي إلى مستوى الجماليّة الباذخة أحيانًا، أو ينحدر إلى مستوى المطبّ أحيانًا أخرى، حتّى وجدنا أنفسنا كذوّاقة للفنّ في مُنحدِر رديء لا جَور عليه إن أسميناه مستوى “الرداءة” التي تُحاكي الجانب الغرائزي عند شريحة واسعة مِن المُتلقّين، فنراها تنفعل مِن دون وعيٍ أو إدراك لما تسمع، إن كان لجهة اللحن أو الكلمة. فهذا النوع من الأداء هو الأسهل للمسطّحات العقليّة التي لا يهمّها أن تُفكّر بقدر ما يهمّها أن تتمايل وترقص! إنّ الأعباء التي تفرضها الحياة كثيرة…
هذا ما جعلني أقف كمُتلقّية عند حالة فنّية لها خصوصيّتها ضمن ما راكمته الأغنية السوريّة من تجارب، فهي لا تُعجِب الحالة السائدة، بل وتراها ثقيلة لا تتناسب مع خفّة اهتماماتها وانشغالاتها. والغريب في الأمر أنّ هذا الواقع يتضمّن مُفارقة تكشف اغتراب الإنسان السوري عن آلامه الحياتيّة ووجعه الروحيّ، ما يفضح إشكاليّة نموذجيّة تعمل على تقييم الشخصية السوريّة وإلى أين تذهب بمآلاتها.. فتجربة الفنان عز الدين الأمير، تطرق على رأس مسمار هذه الظاهرة الغرائبيّة المُتفشّية في مجتمعنا. فهو، وإن كان يؤلّف كلمات أغنياته بمُجملها ويُلحّنها كلّها، والتي يتجاوز عددها المئتَي أغنية، إلّا أنّه لم يأتِ بمواضيع هذه الأغاني مِن عنديّاته، بل هي تصف المُعاناة السوريّة بأشكالها وألوانها، وتتجاوز الوصف إلى حدّ النقد والانتقاد لحالات مُجتمعيّة سلبيّة انتشرت وتنتشر باضطراد.. “الجو نضيف صيف وخريف… خلّي راسك لاحق مداسك ورا القطيع.. طْلعوا طلاع نزلوا نزال ما بتضيع”.
وكأنّ مَن يُغنّي عن الجوع لا يعني الإنسان الذي يُكابد لقمة عيشه اليوميّة “يلعن أبو الجوع الما بيخلّينا نضحك.. ينسّينا اسمي واسمَك.. ما عنّا شي مسموع غير نغمة الطاحون.. لمّا بياكلنا الجوع وبيفتك الطاعون… رح نطحن هالضلوع ونكون نحنا نكون… نضوّي بالعتم شموع سياجك يا وطن أهلك”. أو كأنّ مَن يُغنّي عن الفقر والحسد و”الزعل” والكره، لا علاقة له بما يتشرّب في الجسد الإنسانيّ المُعاني لحظةً إثر لحظة… بل إن من غنّى الحياة “كبيرة والعمر قصير… من شجرة لشجرة يطيروا العصافير… حتّى يبنوا العشّ… لا بلاط ولا فرش…”، بعيدٌ كلّ البعد عن إيقاع الطبل والزمر ومُثيرات الحواسّ المتساوقة مع الزهزهة والفرفشة والبسط وكلّ ما هو “واطي”.
عودٌ على بدء، وسؤال الشخصيّة السوريّة الذي فرض نفسه مِنذ البداية. تُراها هل تنفصل عن مُشاغلات الناس اليوميّة؟ أولا يجب أن تكون مِن أهمّ مقوّماتها، كهويّة لأغنية تتمثّل هويّة مواطنة ضمن أمّة توشّح أبناؤها بآلام ومُكابدات واقع قديم في سياق واقع راهن، فلا تنفصل عن أصالته إذ هي تعنى به وتُمعن فيه وعيًا ووصفًا وانتقادًا لحالات اجتماعيّة إنسانيّة لا تحتاج إلى مجهر يكشفها، أو إلى أداة تبئير تُسلّط نقطة الضوء المُتجمّعة عليها، فهي فاقعة صارخة بلا عنوان ولا هُويّة.
رفعت للتصميم













