
نساءُ حلحول في مواجهة السجن والعطش
يوم أُغلقت أبواب القرية في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت فلسطين تعيش مرحلةً عصيبة من تاريخها؛ احتلالٌ بريطاني يفرض قبضته على البلاد، ومشروعٌ صهيوني يتوسع على أرضها، وشعبٌ فلسطيني يرفض أن يرى وطنه يُنتزع من بين يديه.
وفي تلك السنوات، كانت قرية حلحول، قضاء الخليل، واحدةً من القرى التي انخرط عددٌ كبير من أبنائها في صفوف الثورة الفلسطينية، مؤمنين بأن الدفاع عن الأرض والكرامة ليس خيارًا، بل واجبٌ لا يستطيع الرجال التنصل منه.
لم يكن الثوار يملكون الكثير. كان السلاح شحيحًا، والمال قليلًا، لكن إرادة المقاومة كانت أكبر من كل شيء.
باع بعضهم ما يملكون من مواشٍ وممتلكات، وباع آخرون جزءًا من مدخراتهم، ليشتروا البنادق والذخيرة. وكان رجال حلحول يشاركون في المعارك التي يخوضها الثوار ضد قوات الاحتلال البريطاني، ثم يعودون إلى جبال القرية ومغائرها وأماكنها الوعرة، بعيدًا عن أعين الجنود.
ولم يكن الثوار، في العادة، يبيتون داخل القرية؛ فقد كانوا يدركون أن بقاءهم فيها يعرض أهلها للخطر، وأن قوات الاحتلال قد تدخل في أي لحظة بحثًا عنهم.
ومع مرور الوقت، أصبحت مشاركة أبناء حلحول في المقاومة مصدر إزعاجٍ كبير لقوات الاحتلال البريطاني، حتى قررت قيادة الاحتلال أن تلقّن القرية وأهلها درسًا قاسيًا، وأن تجعل من سكانها عبرةً لغيرهم. وجاء اليوم الذي لم تنسه حلحول.
في صبيحة أحد الأيام، ظهرت قوات الجيش البريطاني حول القرية.
جاءت من جهاتٍ عدة، وأغلقت الطرق والمنافذ، وحاصرت حلحول حصارًا محكمًا، وكأنها تستعد لمعركةٍ مع جيشٍ كامل.
لكن الثوار كانوا قد أدركوا الخطر قبل وصول القوات، وتمكنوا من مغادرة القرية واللجوء إلى القرى المجاورة والجبال المحيطة.
أما القرية، فقد بقي فيها كبار السن والنساء والأطفال والمزارعون الذين لم تكن لهم علاقة مباشرة بالمقاومة.
وانطلقت مكبرات الصوت تصرخ في أرجاء حلحول: «على جميع رجال القرية التوجه فورًا إلى ملعب المدرسة!»
وكانت الرسالة واضحة: من يخالف الأمر أو يحاول الهرب، سيتعرض لإطلاق النار.
بدأ الجنود يفتشون البيوت بيتًا بيتًا، يفتحون الأبواب، ويقلبون محتويات المنازل، ويفتشون المؤن والأثاث والأماكن التي يمكن أن يكون السلاح مخبأً فيها.
وكان هدفهم المعلن البحث عن الثوار والأسلحة، لكن ما حدث تجاوز البحث إلى العقاب الجماعي.
حتى كبار السن والمرضى الذين لم يستطيعوا السير إلى ملعب المدرسة لم يسلموا من الاعتداء.
وفي ملعب المدرسة، بدأت المأساة.
فقد جرى فصل الرجال الأقوياء عن كبار السن والضعفاء، ثم أُخرج بعض كبار السن، بينما بقي أكثر من مائة رجل محتجزين داخل مساحة محاطة بسياج من الأسلاك الشائكة.
كان للسياج بوابة، لكنها لم تكن بوابة نجاة؛ كانت بوابة سجن.
سجنٌ في الهواء الطلق، تحت الشمس الحارقة.
لا فراش. لا غطاء. لا طعام كافٍ. ولا ماء.
ومرت الأيام ثقيلةً على الرجال المحتجزين، وهم يفترشون الأرض، وقد أنهكهم العطش والجوع وحرارة الشمس.
استدعى الضابط المسؤول عن الفرقة التي عُرفت باسم «الفرقة السوداء» مخاتير القرية وإمام المسجد.
حضروا إليه، فخاطبهم بلهجةٍ قاسية، واتهم أهالي حلحول بأنهم «مخربون» يعتدون على دوريات الجيش البريطاني.
ثم قال لهم إنه قرر أن يلقّن أهل القرية درسًا لن ينسوه.
وأضاف أن من يحضر سلاحه ويسلمه سيُطلق سراحه، أما من لا يحضر سلاحًا، فسيكون مصيره الموت.
حاول المخاتير أن يشرحوا له الحقيقة:
هؤلاء المحتجزون مزارعون بسطاء، يخرجون إلى أراضيهم ليزرعوها ويعملوا فيها، ويعودون إلى أطفالهم وأسرهم. أما المسلحون فقد غادروا القرية، وهم الآن في الجبال، ولا يدخلون القرية إلا نادرًا.
لكن الضابط لم يكن يريد أن يسمع.
أمرهم بالصمت، وأعاد مطالبته للرجال بتسليم أسلحتهم.
وفي الخارج، كانت نساء حلحول يقفن خلف المشهد.
لم يكن بوسعهن دخول المعسكر، لكنهن لم يقبلن أن يتركن رجالهن للموت عطشًا وجوعًا.
كانت الزوجات والأمهات يحملن الماء والطعام، ويتقدمن نحو السياج، علّهن يتمكنّ من الوصول إلى آبائهن وأزواجهن وأبنائهن.
لكن الجنود كانوا يمنعونهن من الاقتراب.
كانت أواني الماء والطعام تُنتزع منهن، ثم تُسكب أمام أعينهن على الأرض.
ويُدفعن بعيدًا بالقوة.
فتعود المرأة إلى أهلها وهي تحمل في عينيها خوفًا وغضبًا وعجزًا، لكنها لا تستسلم.
وفي الداخل، كان الرجال يرفعون أصواتهم:
«الله أكبر… الله أكبر!
لا يوجد لدينا سلاح… أطلقوا سراحنا!»
لكن أصواتهم كانت تضيع خلف السياج.
مرت أيام أخرى.
كان العطش قد بدأ يفتك بالرجال.
جفت الحلوق، وضعفت الأجساد، وبدأ بعض المحتجزين يفقدون قدرتهم على الوقوف.
وفي محاولةٍ لإنقاذ نفسه، أخبر أحدهم الجنود أن لديه سلاحًا مخبأً، وأنه مستعد للذهاب وإحضاره وتسليمه لهم.
رافقه جنديان.
خرج من المكان، وسار معهما إلى حاكورة بيته، حيث كان السلاح مخبأً تحت الأرض.
حفر بيديه وأخرج السلاح، وسلمه للجنود.
عادوا به إلى المعسكر.
وهناك وضعوه في مكانٍ منعزل عن بقية المحتجزين، وقدموا له فراشًا وطعامًا وماءً.
ثم قال الجنود للرجال الآخرين:
«افعلوا مثله، أحضروا أسلحتكم، وسوف يُطلق سراحكم.»
نظر الرجال إلى بعضهم بعضًا.
كان كل واحدٍ منهم يعرف أن المسألة ليست مجرد سلاح.
كانت امتحانًا بين البقاء والكرامة، بين النجاة الفردية ومصير الجماعة.
في اليوم التالي ، أخبر أحد المحتجزين الجنود بأن لديه سلاحاً يود إحضاره وتسليمه للجيش . رافقه جنديان وسارا معه إلى المكان الذي زعم أنه يخبئ السلاح فيه . وعند وصولهم إلى عين ماء ، ألقى المحتجز بنفسه داخلها ليشرب، فابتلت ثيابه بالكامل . أخرجه الجنديان متسائلين بغضب :” أين السلاح؟ ” ، فأجابهم بأنه لا يملك شيئاً . عندها انهالوا عليه بالضرب واقتادوه مجدداً إلى مكان الاحتجاز خلف السياج . وما أن دخل وملابسه تقطر ماءً ، حتى اندفع نحوه بقية المحتجزين كرجُل واحد ، يتهافتون عليه ليمتص كل منهم أي قطرة ماء علقت بثيابه المبللة .
في اليوم الثالث، تكرر المشهد.
أخبر معتقلٌ آخر الجنود أن لديه سلاحًا، وأنه يري. بقلم زياد ابو صالح …. فلسطين
رفعت للتصميم













