
كيف هندست واشنطن نفوذها في رمال الشرق ..
عقيدة المائة عام ؛
كيف هندست واشنطن نفوذها في رمال الشرق ..
أدار الملك عبد العزيز صنبور الضخ في فرضة رأس تنورة ربيع تسعة وثلاثين وتسعمائة وألف ، لتتدفق أول شحنة تجارية على متن ناقلة أمريكية معلنة ميلاد عصر جديد لطاقة العالم ؛ لم يكن المشهد مجرد انطلاقة تجارية في مياه الخليج الضحلة ، بل مثل اختراقاً أمريكياً حاسماً لأسوار الاحتكار الاستعماري البريطاني للجزيرة العربية ، غير أن الخزينة الناشئة كانت تواجه في الوقت ذاته شحاً خانقاً في السيولة إثر تراجع مداخيل الحج بالتزامن مع طبول الحرب العالمية ، وهكذا استند التحول الأولي إلى حاجة متبادلة ؛ أرض واعدة بأضخم مخزون جيولوجي بري على الكوكب ، وحكومة تسعى لتمويل قيام دولتها بمعزل عن شروط الإمبراطوريات القديمة.
بيد أن واشنطن الرسمية لم تكن مقتنعة أول الأمر بالانخراط في تلك البقاع الصحراوية ، حتى أغلقت إدارة روزفلت الباب بعبارة شهيرة رأت فيها تلك الأراضي أبعد ما تكون عن اهتماماتها الحيوية ، لكن تحذيرات مسؤولي الطاقة الفيدراليين من نفاد الاحتياطيات المحلية وتوجسهم من مساعي لندن لابتلاع الامتياز السعودي بدلت حسابات البيت الأبيض بصورة دراماتيكية ، وسرعان ما أعلن الرئيس الأمريكي منتصف الحرب أن الدفاع عن المملكة يمثل مصلحة حيوية للدفاع عن بلاده ذاتها ، لتبدأ قنوات الدعم عبر برنامج الإعارة والتأجير.
تحول التدخل بذلك من مغامرة استثمارية يديرها رجال أعمال مستقلون إلى التزام فيدرالي استراتيجي يحمي خطوط الإمداد بالدعم المالي المباشر والغطاء السياسي ، توج ذلك المسار في شتاء خمسة وأربعين وتسعمائة وألف بلقاء تاريخي احتضنه الطراد كوينسي في مياه البحيرات المرة ، وهناك انتزع روزفلت تسهيلات عسكرية ولوجستية شملت إنشاء قاعدة جوية حيوية في الظهران ، وموافقة سيادية على مد خط أنابيب التابلاين لاختراق بادية الشام نحو مياه المتوسط ، وفي المقابل قدمت واشنطن تعهدات مكتوبة لحماية استقلال المملكة ، مؤكدة الامتناع عن دعم الصهيونية على حساب الحقوق العربية في فلسطين ، غير أن تلك الضمانات بقيت معلقة بوعود شخصية هشة ، وما لبث الموت أن باغت صانعها بعد أسابيع معدودة ، تاركاً إرثاً قابلاً للتقويض أمام أول اختبار سياسي داخل أروقة القرار الأمريكي.
سرعان ما أطاحت إدارة ترومان بتلك التعهدات تحت وطأة مئات الآلاف من البرقيات الانتخابية الصاخبة في شوارع نيويورك وواشنطن ، ولم يكترث الرئيس الجديد لصرخات نوابغ خارجيته ودفاعه الذين رأوا في التخلي عن الرياض تهديداً وجودياً لتدفق الخام ، بل رد بحسم أن صندوق الاقتراع المحلي يخلو من أصوات العرب ، فخلال إحدى عشرة دقيقة فقط من إنزال الانتداب البريطاني رايته كانت الولايات المتحدة تسارع للاعتراف بقيام إسرائيل متجاهلة كل الالتزامات الدبلوماسية المسبقة ، وتسبب ذلك القرار في صدمة إقليمية بالغة ، لكنه أظهر بوضوح أن السياسة الأمريكية تُحسم في النهاية بضغط التوازنات الداخلية لا بمسودات التقارير الاستراتيجية.
أمام ذلك الانكسار الدبلوماسي لم يملك الحليفان ترف القطيعة ، بل تواطآ عملياً على ابتداع هندسة سياسية تفصل تدفق براميل الطاقة عن اشتعال الجبهات ، وواصلت واشنطن تدريب الجيش وتحديث البنية التحتية ، بينما حرصت الرياض على تثبيت الامتيازات النفطية ومقاومة المد الشيوعي الملحد الذي كان يهدد استقرار الإقليم برمته ، وبذلك ارتسمت ملامح المعادلة التي حكمت المنطقة ؛ حماية أمنية غربية متواصلة لعروش الطاقة مقابل استقرار التصدير ، مع التعايش التام مع الانحياز الأمريكي المطلق للطرف الإسرائيلي ، وكان هذا الفصل البراغماتي بمثابة الحزام الواقي الذي ضمن استمرار التحالف على خطين متوازيين لا يلتقيان أبداً.
هكذا ترسخ في المنطقة نموذج غريب تمارس فيه القوة العظمى دور الحامي الحصري للمصالح الحيوية ، بينما تحتكر منفردة رداء الوساطة في تسوية النزاعات التي تؤججها بانحيازاتها ، لقد تحولت معضلة فلسطين من بند تفاوضي يهدد التحالفات إلى ورقة تدار بها الأزمات دون الرغبة في إغلاقها نهائياً ، وباتت قواعد اللعبة الإقليمية تقوم على حقيقة أن استقرار أسواق الطاقة والتفوق العسكري لإسرائيل هما الأساس الثابت لأي مظلة نفوذ في الشرق ، إنها التركيبة الهيكلية ذاتها التي تشكلت بين الظهران وكوينسي ، لتظل بعد عقود طويلة الإطار الحاكم لكافة ارتدادات السياسة والتحالفات في مياه العرب ورمالهم.
رفعت للتصميم













