أزمة التواصل الأدبي في الجزائر: شرخ صامت وجفاء بين الأجيال الأدبية

أزمة التواصل الأدبي في الجزائر: شرخ صامت وجفاء بين الأجيال الأدبية

مصطفى بوغازي/الجزائر

 

لم يكن الجفاف الذي أصاب شريان التواصل بين الأجيال الأدبية في الجزائر عرضاً طارئاً أملته تحولات الزمن أو تقلبات الذائقة الجمالية، بل كان حسماً مبكراً لقطائع سياسية ومؤسساتية شكلت المشهد الثقافي غداة الاستقلال. يقتضي البحث عن المتسبب في بتر “الحبل السري” بين الرعيل الأول والجيل اللاحق العودة إلى اللحظة التي رُبط فيها الخيار الثقافي بالنهج السياسي الأحادي؛ فبينما كانت البلاد تسعى للخروج من عباءة اللسان الفرنسي عبر التعريب وتأسيس ثورة ثقافية واعدة، سارعت السلطة إلى إدخال الإبداع بيت الطاعة. اختُزل التنوع في صوت واحد، وغدت العضوية في حزب جبهة التحرير الوطني شرطاً لممارسة الكتابة والنشر، لتتحول المؤسسة الثقافية والنقابية إلى جهاز فرز أيديولوجي يحرم المخالفين من التعبير. وبهذا التمكين السياسي، كرست الأسماء المنضوية تحت لواء الحزب سلطة مزدوجة: إدارية تحتكر المناصب ودُور النشر والمنابر الإعلامية، ومعنوية تمنح صكوك “الشرعية الأدبية” لمن تشاء وتصادرها عمن تشاء، في إطار دوائر مغلقة تعاقب كل إرادة للخروج عن النسق وتصادر حق التجديد.

 

ومع انقضاء زمن الحزب الواحد واعتلاء التعددية، لم يغادر أوصياء المشهد مواقعهم، بل سارعوا إلى إعادة تدوير حضورهم لضمان الامتداد، فيما وُلد جيل الاستقلال في منطقة رمادية لم يجد فيها بيئة تتعهد الإبداع بالورشات والحوار، بل وجد إعلاماً يتحسس بدايات التفتح وسط وصاية مشددة. ثم جاءت مأساة “العشرية السوداء” لتجهز على بقايا الجسور؛ فبين رعب الإرهاب الذي اتخذ من دماء الأدباء بروباغندا صريحة، وبين اضطرار البعض للفرار وهروب آخرين إلى الصمت، تشتت الجغرافيا الثقافية وأُجهز على ما تبقى من مساحات الحوار. وحين هدأت العاصفة وعاد الاستقرار، لم تعد الألقاب القديمة متسلحة بجديد الجماليات، بل اتكأت على “الأبوية الثقافية” والشرعية التاريخية لتعود إلى الصدارة، تاركة الجيل الجديد في الظل، ودافعةً بكثير من طاقاته إلى دهاليز النسيان، مع الاكتفاء بمنح الفتات لذر الرماد في العيون في السفريات والملتقيات المعرضية. إن الساحة الأدبية اليوم تحصد ثمار انقسام حاد وشرخ صامت بين جيل مخضرم عبد طريق التواجد برعاية السلطة ثم محا أثر الطريق وقطعه وراءه كي لا يلحق به أحد، وبين جيل جديد يجد نفسه مُستبعداً ومحاصراً في إقطاعية رمزية مغلقة.

وأمام هذا الانسداد المؤسساتي والجمالي، نقف جميعاً أمام أسئلة الحقيقة ومسؤولية التاريخ لنقر بأن هذه القطيعة بين الأجيال الأدبية لم تكن مجرد جفاء عابر، بل أزمة بنوية صاغتها خيارات السلطة الأحادية، وإكراهات المحن التاريخية، وتكريس “الأبوية الثقافية” التي توهمت أن الإبداع توقف عندهم. غير أن الوقوف عند مشجب اللوم المتبادل بين جيل يتحصن بالشرعية التاريخية وجيل يكتفي برثاء مظلوميته، لن يزيد الجدار العازل إلا ارتفاعا.

إن الخروج من هذا الانسداد التاريخي لا يمر عبر معارك كسر العظام أو الاستسلام ، بل يتطلب شجاعة جمالية ومؤسساتية تُعيد الاعتبار لقيمة النص لا لصاحبه وتفكك مركزية الوصاية لصالح مشروع ثقافي مفتوح. يكمن من تأسيس ورشات نقدية ومجلات طليعية ومنابر حرة تعتمد معايير الجودة والاستحقاق بعيداً عن صكوك الولاء، كما يقتضي من الجيل الجديد الخروج من العزلة الرقمية والاتكال المؤسساتي لفرض منجزه الأدبي بصلابة النص وجدّته، فيما يتوجب على الرعيل الأول أن يدرك أن الخلود الأدبي لا يُصنع باحتكار الملتقيات والوفود، بل بتوريث المعرفة وتأثيث الطريق لسالكيه. إن “الحبل السري” الذي قُطع بالأمس لن يعود بالتمني، بل تبنيه الجسور النقدية الحقيقية التي تؤمن بأن الأدب نهر متجدد، لا بحيرة راكدة يملكها جيل واحد.

رفعت للتصميم