المهاجرون الجزائريون إلى الشام من خلال الوثائق العثمانية للدكتور عبد الله صلاح مغربي

إصدار

المهاجرون الجزائريون إلى الشام من خلال الوثائق العثمانية

للدكتور عبد الله صلاح مغربي

 

مصطفى بوغازي/الجزائر

 

تظل الهجرات الإنسانية الكبرى في التاريخ العربي الحديث أكثر من مجرد انتقال جغرافي فرضته ظروف البطش والعدوان؛ إنها في جوهرها إعادة غرسٍ للروح الوطنية في تربة عربية جديدة، وتجسيدٌ حقيقي لتلاحم الهوية واستمرار المقاومة عبر الزمن والجغرافيا. وفي هذا السياق، يبرز كتاب الدكتور عبد الله صلاح مغربي الوسوم بـ “المهاجرون الجزائريون إلى الشام من خلال الوثائق العثمانية” بوصفه فتحاً معرفياً يضيء زاوية معتمة من تاريخ النضال المغاربي-الشرقي، وينبش في أرشيف السجلات التاريخية ليعيد رسم التجربة الإنسانية والاجتماعية للجزائريين في ربوع بلاد الشام.

 

ينطلق هذا العمل الباذخ من لحظة فارقة في تاريخ الجزائر الحديث، تمثلت في الانكسار المأساوي الذي أحدثه الاحتلال الفرنسي سنة 1830م، وما أعقبه من سياسات قمعية نهجت مصادرة الأراضي وننزع الملكيات وتجريف الهوية. هذا التضييق الاستعماري دفع بموجات متعاقبة من الأسر الجزائرية إلى الهجرة نحو ديار الدولة العثمانية طلباً للأمان وحفاظاً على الدّين والعرض. غير أن الأقدار أبت إلا أن تضع هؤلاء المهاجرين -ولاسيما من استقر منهم في أكناف فلسطين- أمام مواجهة استعمارية جديدة لم تقلّ شراسة عن سابقتها؛ فما إن استتب لهم النوى في أراضيهم الجديدة حتى داهمهم التغلغل الصهيوني في أواخر العهد العثماني، ليجدوا أنفسهم محاصَرين بين فكّي استعمارين: استعمار فرنسي اقتلعهم من وطنهم الأم في المغرب العربي، واستيطان صهيوني أجهز على استقرارهم في موطنهم الجديد، لتتوج هذه التراجيديا بالتهجير الثاني عقب نكبة سنة 1948م، في تجربة نادرة أصبح فيها الإنسان لاجئاً مرتين خلال أقل من قرن واحد.

 

ويكشف الكتاب، عبر متنه الوثائقي الرصين، عن أن التواجد الجزائري في بلاد الشام لم يكن ظاهرة طارئة أو عابرة، بل تحول إلى حضور هيكلي فاعل اندمج في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمعات المحلية في فلسطين وسوريا والأردن ولبنان. وتبدو هذه الفاعلية جلية في سجلات المقاومة المبكرة؛ حيث أظهر المهاجرون الجزائريون وعياً سياسياً متقدماً بمخاطر المشروع الصهيوني منذ إرهاصاته الأولى، وتتجلى تلك الملحمة في دور أهالي قرية “تليل” جنوب بحيرة الحولة في التصدي للتغلغل الصهيوني وإفشال أول مشروع لإقامة مستوطنة زراعية في فلسطين. كما تتجسد هذه الفاعلية في الثقل العقاري والاجتماعي الذي تشير إليه الوثائق؛ إذ امتدت الملكيات الجزائرية في فلسطين لتشمل نحو خمس عشرة قرية، إلى جانب حيازات واسعة في أمهات المدن كحيفا وطبرية وبيسان—وهي أملاك شاسعة استُلبَت في أحداث النكبة، وتتجاوز حجماً وقيمةً كافة الادعاءات التي يروجها الاستيطان الصهيوني.

 

وتكمن القيمة العلمية الفريدة لهذا السفر في قدرة الباحث على اختراق جدار العزلة الأرشيفية؛ إذ عانت الوثائق الأصلية لعقود من التشتت بين الأرشيف العثماني، والسجلات الشرعية، والمكتبات العالمية الكبرى كالمكتبة الوطنية الفرنسية بباريس ومكتبة الكونغرس بواشنطن. وقد اعتمد المؤلف منهجاً تفكيكياً كاملاً بنقل النصوص من لغتها العثمانية الأصلية إلى العربية وقادحاً زناد التحليل التاريخي للوقوف على دلالاتها المضمرة، مع الشرح الدقيق للألقاب الإدارية والمصطلحات الرسمية العثمانية وسبر غور معانيها الوظيفية والسياقية بعيداً عن ظاهرها اللفظي المجرد، وصولاً إلى توظيف الخرائط والشرائح التوضيحية والصور والمخطوطات لإعادة بناء المشهد التاريخي بعيون القرن الحادي والعشرين.

 

يمثل كتاب الدكتور عبد الله صلاح مغربي امتداداً ناضجاً لمشروعه العلمي المتواصل في تقصي تاريخ الهجرة الجزائرية، والذي استهله بإصدارين سابقين باللغتين العربية والإنجليزية. إن هذا العمل لا يقف عند حدود السرد الوثائقي الجاف، بل يتجاوزه ليرسم لوحة حيّة للتجربة الإنسانية للمهاجرين، مستعيداً حكايات التكيف والاندماج والنضال، ليكون وثيقة إثبات تاريخية تُعيد ترتيب أوراق الذاكرة الوطنية المشتركة بين الجزائر وبلاد الشام، وتمنح الباحثين مرجعاً معيناً يصعب التغاضي عنه عند دراسة تحولات المنطقة في العصر الحديث.

رفعت للتصميم