أنا وصورتُكِ وأحزاني

أنا وصورتُكِ وأحزاني…

 

في المساءِ، حينَ يهدأُ البيتُ،

ويصمتُ كلُّ شيءٍ إلّا قلبي،

أفتحُ خزانتَكِ ببطءٍ… كأنّني أخشى أنْ أوقظَ غيابَكِ، فأجدُ ثوبًا صغيرًا تركتِهِ لأنّهُ لم يعدْ على قياسِكِ،

وقد ألقيتِهِ قبلَ السّفرِ فوقَ السريرِ،

وقلتِ لي:

“تخلّصي منهُ، ومن كلِّ ثيابي الّتي صغُرتْ عليَّ”.

أُمرّرُ يدي على قماشِهِ،

وأُدنيهِ من وجهي،

أشمُّ فيهِ عطرَ طفولتِكِ،

فتدمعُ ذاكرتي…

وأسمعُ ضحكتَكِ في أرجاءِ البيتِ.

كم كنتِ صغيرةً…

وكم كبرتِ في قلبي،

منذُ أن أخذَتْكِ الهجرةُ بعيدًا عنّي.

كلُّ شيءٍ تركتِهِ ما زالَ هنا:

ثوبُكِ، محفظتُكِ، صورتُكِ، لعبتكِ،

وأشياءُ صغيرةٌ لا قيمةَ لها عندَكِ،

لكنّها عندي أثمنُ من الدُّنيا كلِّها،

لأنّها احتوتْ جسدَكِ ذاتَ يومٍ،

ومرّتْ عليها يدُكِ…

ألمسُها وأقولُ:

هٰذهِ كانتْ لها…

هٰذهِ لمسَتْها…

هٰذهِ كانتْ قريبةً منها، وهٰذه كانت تُحبُّها.

ثمَّ أغرقُ في حنينٍ لا يسمعُهُ أحدٌ،

حنينٍ صارَ جزءًا من يومي،

من صحوي، ومن نومي،

ومن كلِّ زاويةٍ في هٰذا البيتِ.

وأعانقُ صورتَكِ،

وأتخيّلُ أنّ المسافةَ بينَنا ليستْ بلادًا وحدودًا ومطاراتٍ،

بل خطوةً واحدةً…

خطوةً لو استطعتُ قطعَها الآنَ،

لوجدتُكِ أمامي.

 

ومعَ بدايةِ المدارسِ…

أحملُ آخرَ محفظةٍ كانتْ لكِ،

وأحاولُ أن أجمعَها معَ الأشياءِ الّتي لم يعدْ أحدٌ بحاجةٍ إليها،

فأجدُني أضمُّها من جديدٍ،

وأحتفظُ بها في خزانتي…

وتخطفُني ذاكرتي إلى اليومِ الأوّلِ لذهابِكِ إلى المدرسةِ.

وفي كلِّ مناسبةٍ تمرُّ من دونِكِ تؤلمني.

عيدُ ميلادِكِ يوقظُ الشّوقَ،

وعيدُ الأمِّ يوجعُني أكثرَ…

فأيُّ أمٍّ أنا من دونِ ابنتِها إلى جوارِها؟

 

كنتِ تكبرينَ عامًا بعدَ عامٍ،

وأنا أعدُّ لكِ الأعوامَ…

ثمَّ كبرتِ،

وكبُرتِ المسافةُ بينَنا،

وبقيَ قلبي في ذٰلكَ البيتِ،

ينتظرُ عودتَكِ.

وقبلَ أنْ أنامَ،

أضعُ صورتَكِ إلى جانبي،

وأتركُ يدي فوقَها طويلًا…

كأنّني أمسكُ يدَكِ.

أحدّثُكِ عن يومي،

عن الّذينَ غابوا،

عن الأشياءِ الّتي كنتِ ستضحكينَ منها…

 

كيفَ للأمِّ أنْ تتعلّمَ الغيابَ،

وهيَ الّتي اعتادتْ أنْ تعرفَ ابنتَها من وقعِ خطوتِها،

ومن نبرةِ صوتِها،

ومن ضحكتِها،

ومن طريقةِ إغلاقِها للبابِ،

ومن نظرةٍ واحدةٍ إلى عينيها؟

 

الهجرةُ لا تأخذُ الإنسانَ من وطنِهِ فقطْ،

بل تأخذُ منهُ دفءَ التفاصيلِ…

يا لَهٰذهِ الآهِ الّتي تسكنُ صدري!

يا لَصمتي الثّرثارِ الّذي لا يسكتُ ليلَ نهارٍ،

وهو يئنُّ ويطنُّ ويرنُّ،

ويضجُّ في أذني وقلبي وروحي،

ولا يتعبُ.

أيا ابنتي الّتي حجبتُ عنكِ الشّكوى والأنين، طوالَ عمري والسّنين،

آنَ الأوانُ

أنْ أخبرَكِ بأنّني لم أكتبْ حروفي بالحبرِ أو بلمسِ الأصابعِ فوقَ حروفٍ إلكترونيّة،

بل كتبتُها بأوتارِ الحنينِ ودموعِ عينيَّ.

كم أخشى أنْ يسبقَني العمرُ إلى لقائِنا،

وكم أخشى أن تمضيَ السّنواتُ،

وتتعبَ عينايَ،

وتضعفَ يدايَ،

ويصبحَ السّفرُ أثقلَ،

والطّريقُ أطولَ،

واللّقاءُ دمعةَ وداعٍ تُحزِنُ عينيكِ.

ومعَ ذلكَ… أنتظرُ.

وقد اشتقتُ إليكِ حتّى صارَ الشّوقُ وجعًا،

وصارَ الوجعُ ذكرًى،

وصارتِ الذّكرى وطنًا أعيشُ فيهِ.

فأنا لم أعدْ أريدُ من الدُّنيا شيئًا…

لا مالًا،

ولا عمرًا طويلًا،

ولا فرحًا كبيرًا، أريدُكِ أنتِ…

أريدُ أنْ أراكِ أمامي،

لا في صورةٍ،

ولا خلفَ شاشةٍ،

ولا بينَ كلماتِ فايسبوكَ،

ولا في ثوبٍ صغيرٍ ما زالَ يحتفظُ بعطرِ طفولتِكِ…

أريدُ صوتَكِ،

ضحكتَكِ،

يدَكِ في يدي،

ورأسَكِ على صدري.

أريدُ أن أراكِ

أن أعانقَكِ كما لو أنّني أستردُّ بالاحتضانِ

كلَّ السّنواتِ الّتي سَرقَتْها الهجرةُ من عمرِنا.

 

فالأبناءُ يا ابنتي ليسوا سنداتِ ملكيّةٍ خضراءَ،

نستثمرُها عندَ حاجتِنا إليها…

الأبناءُ يا ابنتي

سندُ الرّوحِ والقلبِ والعينِ.

وكلّما طالَ السّفرُ،

طالَ الحنينُ،

وقَصُرَ بي العمرُ…

فقد حملتِ معَكِ شيئًا من ترابِ الوطنِ،

وتركتِ لي شيئًا من روحِكِ.

يا لَوجعِ الشّوقِ،

حينَ يُثقِلُ منكبَيِ الرّجاءِ،

ويجعلُ الانتظارَ عمرًا آخرَ!

إنَّ عينيكِ، ودمعي وأحزاني،

هيَ ما بقيَ لي

في عمري ولبناني.

عايدة قزحيّا

“وجع الحنين”

رفعت للتصميم