
رجل على ذمة عشق» للكاتبة مليكة هاشمي
إصدار
«رجل على ذمة عشق»
للكاتبة مليكة هاشمي
كتب/ مصطفى بوغازي
تطالعُنا الكاتبة الجزائرية مليكة هاشمي في عملها الروائي الصادر عن دار المثقف بعنوان «رجل على ذمة عشق» بفيضٍ وجدانيّ ناضج، يتناول واحدةً من أعقد التناقضات الإنسانية بين نداء العاطفة وصرامة الواقع المادي والاجتماعي. تتجلّى الفكرة الجوهرية للرواية في التفتيش عن ذاتٍ إنسانيةٍ ممزقة تحت وطأة الإحباط والخذلان الأسري والمجتمعي، حيث يقف البطل «سعيد» في منطقة برزخية حرجة؛ محاصرًا بين ماضٍ مثقل بشرخ العلاقة الوالدية، وحاضرٍ محكوم بالهشاشة والتهميش. تتجاوز الرواية كونها مجرد حكاية حُبّ تقليدية لتتحول إلى وثيقة نفسية واجتماعية تسبر أغوار شاب يخوض صراعًا مريرًا لإثبات وجوده وعصاميته أمام مجتمع يختزل قيمة الإنسان في جاهه وأمواله. تظهر الرواية كيف أن قسوة الجدّة القاسية وهروب الأب وتخليه عن المسؤولية وغيابه الأخلاقي، يقابله صمودٌ أمومي مضحي لكنه ينتهي بنهاية مأساوية تُفضي بالبطل إلى التردي في دواامة من الحزن والكتمان. ومع ذلك، يظل مفهوم العشق في النص مفهومًا وجوديًا شاملاً، يتشكل تارةً في هيئة التعلق العاطفي الجارف بالمرأة، وتارةً أخرى يغدو عشقًا للكرامة وللخلاص من إرث العقد النفسية التي حاول البطل مرارًا ألا ينزلق إلى تكرارها.
أمّا عن البناء الفني والمعماري للعمل، فقد اعتمدت الرواية على خطّ زمني متسلسل تدعمه استرجاعات ذهنّية خاطفة تعود بالنص نحو دهاليز الطفولة والمراهقة لتفسير التحولات العميقة في سلوك الشخصية. يتأسس الحكي عبر المعمار البنائي للرواية على بنية نمو موازية لتطور الشخوص؛ حيث تبدأ الأحداث من الحي الشعبي القديم بـ «باب الجزائر» في البليدة، حيث المنازل العتيقة ذات التصدعات والشقوق التي تعكس التصدعات النفسية لقاطنيها. تتطور الأحداث تدريجيًا من مرارة المدرسة الذابلة ومقاعدها المهترئة، مرورًا بالمطبات الجامعة وتحدياتها اللوجستية، وصولاً إلى أزمة العطالة والجفاف العاطفي بعد التخرج، وهي المحطة التي دعت البطل لاستجماع شتاته والتسامي فوق آلامه عبر عصامية جديدة في عالم الحرف والتجارة الخفيفة. لقد أحسنت الكاتبة توزيع الأدوار والتحولات الدرامية؛ فشخصية الأب تمثل الانتهازية والنزوات المتأخرة، والأم تجسد التضحية المكسورة والغرور المصاب بالصدمة، و«سيرين» تقف كرمزٍ للحُب الأول الفتّاك الذي حاصرته التحولات والظروف الاجتماعية القاسية. هذا التدرج البنائي جعل النسيج الحكائي يترابط بشكل متين، حيث تؤدي كل خيبة إلى توليد صدمة جديدة تُعيد صياغة ملامح البطل وتصقل وعيه بمفهوم الحياة.
وفيما يخص جماليات السرد وأساليبه البلاغية، فقد صاغت مليكة هاشمي نصها بلغة عربية شاعريّة مشبعة بالمجازات والاستعارات البديعة. يتشكل الأسلوب السردي بصوت المتكلم ، مما أضفى على الرواية حميمية عالية وصدقًا تعبيريًا يجذب القارئ إلى أعماق التجربة الذاتية. برعت الرواية في توظيف الصورة البيانية المبتكرة لتجسيد المشاعر الحبيسة؛ فالبيت القديم يتحول إلى «ساحة مع المعارك» و«علبة كبريت هشة»، والأزمات تنهمر كـ «أحجار وابلية»، والذكريات تتداعى في «دهاليز الجمجمة». ولم تخلُ لغة النص من البلاغة الشفيفة والمحسنات البديعية غير المتكلفة التي خففت من كآبة الأحداث، حيث تقاطعت السخرية السوداء مع التأمل الفلسفي الحزين حول شؤون المجتمع الذكوري وقسوة الأحكام العرفية على المرأة. كما أضفت النصوص المقترتعة والمقالات المدمجة داخل السرد بعدًا تناصيًا وجماليًا أثرى بنية النص وأتاح مساحة لتفكيك أوهام العشق المكتوم في الظل. إن رواية «رجل على ذمة عشق» تُعد إضافة أدبية ذات جرس موسيقي عذب وشجن إنساني نبيل، تجعل من قراءتها رحلة ممتعة في أزقة النفس البشرية ومتاهاتها المظلمة والمضيئة في آن واحد.
رفعت للتصميم












