التظلم الإداري في التشريع الليبي

التظلم الإداري في التشريع الليبي

الضمانة القانونية للموظف قبل اللجوء للقضاء الإداري

تُعد القرارات الإدارية الوسيلة الرئيسية التي تعبر بها الإدارة العامة عن إرادتها المنفردة لإدارة المرافق العامة وتنظيم سير الوظيفة العامة.

غير أن هذه السلطة ليست مطلقة ، فقد تشوب بعض القرارات شائبة عدم المشروعية أو الإجحاف بحقوق الموظف المكفولة بموجب التشريعات النافذة ، وعلى رأسها قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010م ولائحته التنفيذية ، والقواعد الاستثنائية التي تقررها أحكام القانون رقم (88) لسنة 1971م بشأن القضاء الإداري وتعديلاته.

ولضمان التوازن بين حماية حقوق الموظف وحفظ هيبة الإدارة وحسن سير العمل ، أتاح المشرع الليبي نظام التظلم الإداري كطريق وجوبي أو اختياري (حسب طبيعة القرار) لإعادة النظر في القرار المجحف قبل الدخول في منازعات قضائية طاحنة.

أولا : المفهوم القانوني للتظلم الإداري وأنواعه

التظلم الإداري هو إجراء يقدمه الموظف المتضرر إلى جهة الإدارة يطلب فيه سحب القرارلا، أو إلغاءه ، أو تعديله ، أو تعويضه عن الأضرار الناجمة عنه ، استناداً إلى أسباب موضوعية أو شكلية أو قانونية وينقسم التظلم الإداري في القانون الليبي إلى نوعين رئيسيين :

1/ التظلم الولائي (الولائي/المباشر)

هو التظلم الذي يرفعه الموظف إلى نفس السلطة أو الموظف الذي أصدر القرار المجحف.

يهدف إلى إعطاء مصدر القرار فرصة مراجعة موقفه والتراجع عن الخطأ أو تعديله في ضوء المعطيات أو الأسانيد القانونية الجديدة التي يقدمها الموظف ، دون الحاجة لتدخل المستويات الأعلى .

2/ التظلم الرئاسي (الرئاسي)

هو التظلم الذي يرفعه الموظف إلى الرئيس المباشر أو السلطة الرئاسية الأعلى للجهة التي أصدرت القرار (مثل رفع التظلم للوزير المختص أو رئيس الهيئة ضد قرار صادر عن مدير إدارة أو رئيس قسم).

يهدف إلى إعمال سلطة الرقابة الرئاسية التي يمتلكها الرئيس الإداري على أعمال مرؤوسيه ، حيث يحق للرئيس تعديل القرار أو إلغاؤه إما لعدم المشروعية أو لعدم الملائمة الإدارية.

ثانياً: حالات الإجحاف الوظيفي الشائعة في التطبيق العملي

تتعدد القرارات الإدارية التي قد يترتب عليها إجحاف بالمراكز القانونية للموظف ، ومن أبرزها :

القرارات الصادرة بشأن الترقيات : كتخطي الموظف في الترقية المستحقة قانوناً بالأقدمية أو بالاختيار، أو حرمانه من درجاته الوظيفية المعتمدة في الملاك الوظيفي.

القرارات التأديبية والخصومات: فرض عقوبات تأديبية (كالإنذار، الخصم من المرتب، أو الحرمان من العلاوة) دون إجراء تحقيق كتابي مع الموظف أو دون مراعاة ضمانات الدفاع والتناسب بين المخالفة والعقوبة.

قرارات النقل التعسفي أو إعادة التعيين: نقل الموظف مكاناً أو نوعياً بنية العقاب الشديد المستتر (إساءة استعمال السلطة)، أو إلى مكان يلحق به ضرراً جسيماً ولا تقتضيه مصلحة العمل الفعلية.

ثالثاً: الشروط الإجرائية والمواعيد القانونية للتظلم

يشترط القانون الليبي لصحة التظلم وقبوله شكلاً استيفاء مجموعة من الضوابط:

العلم اليقيني بالقرار يبدأ حساب ميعاد التظلم من تاريخ إعلان الموظف بالقرار رسمياً، أو نشره في النشرة الإدارية، أو ثبوت علمه اليقيني الشامل بكافة عناصر القرار وفحواه.

الميعاد القانوني ينبغي تقديم التظلم خلال (60)يوماً من تاريخ العلم بالقرار الإداري (وذلك استناداً لأحكام قانون القضاء الإداري وقواعد الطعن بالإلغاء).

البيانات الأساسية يجب أن يشتمل التظلم على اسم الموظف، صفته، درجته الوظيفية، تفاصيل القرار المتظلم منه، الأسباب التي يستند إليها (مخالفة القانون، التعسف، الخطأ في الإجراءات)، والطلبات المحددة بدقة.

رابعاً: الآثار القانونية المترتبة على تقديم التظلم

عند تقديم التظلم الإداري مستوفياً شروطه، تترتب عليه الآثار التالية : قطع ميعاد -رفع الدعوى القضائية: يُوقف التظلم الإداري المواعيد المسقطة لحق الموظف في رفع دعوى الإلغاء أمام دائرة القضاء الإداري بمحكمة الاستئناف المختصة.

-واجب الإدارة في البت: تلتزم الإدارة بفحص التظلم خلال الميعاد القانوني (غالباً 60 يوماً).

-مواقف الإدارة الحتمية : القبول الضمني أو الصريح: بتعديل القرار أو إلغائه، وهنا ينتهي النزاع.

-الرفض الصريح : إبلاغ الموظف برفض تظلمه بقرار مسبب أو غير مسبب.

-الرفض الضمني : مضي المدة المقررة قانوناً دون أن تجيب الإدارة عن التظلم، ويُعد سكوتها بمثابة قرار ضمني بالرفض.

خامساً: الانتقال إلى القضاء الإداري (دعوى الإلغاء)

إذا قوبل التظلم بالرفض الصريح أو الضمني، ينفتح أمام الموظف باب دعوى الإلغاء أمام دائرة القضاء الإداري بمحكمة الاستئناف التي يقع في دائرتها مقر الجهة الإدارية أصدرت القرار.

-ميعاد رفع الدعوى: يجب رفعه خلال (60) يوماً تبدأ من تاريخ إبلاغ الموظف بقرار رفض التظلم، أو من تاريخ انقضاء مهلة البت في التظلم (الرفض الضمني).

-أسباب الطعن القضائي: تُبنى الدعوى على عيوب القرار الإداري الشائرة في الفقه والقضاء الليبي (عيب الاختصاص، عيب الشكل والمسطرة، عيب مخالفة القانون، عيب السبب، وعيب الانحراف بالسلطة أو التعسف).

يمثل التظلم الولائي والرئاسي حائط الصد الأول للموظف العام للحفاظ على حقوقه الوظيفية وصيانتها ، وإن ممارسة هذا الحق بوعي وبإجراءات شكليّة وسليمة لا تحمي الموظف من تبعات القرارات التعسفية فحسب ، بل تُعد التمهيد الإجرائي المباشر والضروري المقبول أمام المحاكم المختصة للذود عن مبدأ المشروعية وسيادة القانون داخل المؤسسات.

 

بقلم المستشار

عبدالباسط صالح بن نجاح

رئيس لجنة إدارة هيئة التأمين الطبي

رفعت للتصميم