إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة

 

 

بقلم المستشارعبدالباسط صالح بن نجاح رئيس لجنة إدارة هيئة التأمين الطبي

 

(دراسة تأصيلية وتحليلية في ضوء أحكام قانون علاقات العمل الليبي رقم (12) لسنة 2010م ولائحته التنفيذية)

 

تشكل إدارة وتخطيط الموارد البشرية العصب الحساس الذي ترتكز عليه الدولة، وتستند إليه مؤسساتها وهيئاتها العامة وكذلك الخاصة لضمان كفاءة المرفق العام وتحقيق مستهدفاته التنمية المستدامة، ولم يعد التخطيط الإداري المعاصر مجرد إجراء شكلي ينحصر في سد العجز الفوري أو التغطية المؤقتة للشواغر الوظيفية، بل ارتقى ليعقد عملية استراتيجية متكاملة تعنى بتقدير الاحتياجات المستقبلية من القوى العاملة كماً ونوعاً، ومواءمتها مع السياسات العليا والغايات الاستراتيجية للدولة أو المؤسسة.

 

وفي إطار البنية التشريعية الليبية أرسى المشرع في قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010م ولائحته التنفيذية منظومة ضوابط وقواعد موضوعية حازمة تنظم هيكلة الملاكات الوظيفية، وتنظم انضباط آليات التعيين وشغل الوظائف العامة، بما يحقق مبدأ حوكمة الوظيفة العامة وصيانة المال العام.

 

أولاً: الماهية التأصيلية والمقومات القانونية للتخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية

 

يقصد بالتخطيط الاستراتيجي للتوظيف : منظومة الإجراءات والدراسات التنبؤية والتنظيمية المستمرة التي تهدف إلى قياس الفجوات الوظيفية، وتحديد المؤهلات والكفايات اللازمة لشغل الوظائف المعتمدة، بما يتطابق كلياً مع خطط التوسع أو التطوير الأفقية والرأسية للمرفق الإداري.

 

ويرتكز التخطيط الاستراتيجي لشغل الوظائف في التشريع الليبي على دعامتين جوهريتين :

 

مبدأ الجدارة وتكافؤ الفرص : استناداً لأحكام المادة (2) من قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010م فإن حق العمل كفله القانون لجميع المواطنين على حد سواء، وتشغل الوظائف بناء على معياري الكفاءة والاستحقاق دون أصل للتمييز أو المحاباة.

 

شرعية التعيين وشرط الشغور المالي والتنظيمي : يحظر القانون إجراء أي تعيين أو تكليف أو إعادة توزيع إلا على وظيفة شاغرة مدرجة فعلياً ضمن الملاك الوظيفي المعتمد للجهة الإدارية، وأن تكون مستوفية للغطاء المالي المحدد بالميزانية العامة للدولة، وفق المقررات التفصيلية للائحة التنفيذية للقانون.

 

ثانياً: آليات مواءمة الملاكات الوظيفية مع التوجهات الاستراتيجية للدولة

 

لضمان نفاذ الخطط استراتيجية وتحقيق أقصى درجات الفعالية في أداء المرافق العامة، يتعين على إدارات الموارد البشرية والجهات التخطيطية إحكام ربط عملية التوظيف بالاستراتيجية العامة عبر الآليات التالية :

 

التحليل الكمي للفجوة الوظيفية :

تشخيص واقع القوى العاملة الحالية ومقارنتها بالمتطلبات الاستراتيجية المستقبلية، لمعالجة حالات الفائض أو النقص في التخصصات الفنية والإدارية، وتوجيه الفائض الوظيفي عبر برامج إعادة التأهيل والتدريب التحويلي.

 

الضبط المالي والتكامل مع ميزانية الباب الأول :

ربط الملاكات والاحتياجات الوظيفية بالاعتمادات المالية المخصصة للباب الأول (المرتبات وما في حكمها) حماية للخزانة العامة من التضخم الوظيفي غير المبرر، وتفادياً لظاهرة (البطالة الهيكلية أو بطالة المهارات) التي تضعف الإنتاجية داخل أجهزة الدولة.

 

الصياغة الدقيقة لبطاقات الوصف الوظيفي :

يشترط قانوناً لإسناد أي شغل وظيفي إعداد (بطاقات وصف وظيفي) تحدد بوضوح الشروط الواجب توفرها في الشاغر، والمهام والمسؤوليات المنوطة به، مما يضمن التوزيع العادل والموضوعي للعلاقات البشرية ضمن الهيكل التنظيمي المعتمد.

 

ثالثاً: الآثار القانونية والرقابية المترتبة على التخطيط غير المدروس

 

تترتب على قرارات التعيين والتخطيط العشوائي الشائبة بالعدم أو المخالفة للاشتراطات العامة آثار إدارية ومالية جسيمة، أسبغ عليها التشريع الليبي رقابة القضاء الإداري حماية مشددة وهي :

 

البطلان المطلق وسحب القرارات الإدارية المخالفة : يعد قرار التعيين الصادر بالمخالفة للملاك الوظيفي المعتمد، أو بغير توفر الاعتماد المالي المسبق، قراراً معيباً يعيب المخالفة الصريحة للقانون، مما يجرده من مشروعيته ويوجب على الإدارة سحبه، أو يعرضه للطعن بالإلغاء أمام المحاكم المختصة.

 

المسؤولية التأديبية والمالية عن مخالفة الملاكات : تخضع التصرفات المالية والإدارية الشائبة بالتجاوز لرقابة الأجهزة السيادية (ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية)، حيث تعد مخالفة التشريعات المنظمة للملاكات والميزانيات خطأ إدارياً ومالياً موجباً للمساءلة التأديبية والمدنية بحق المسؤولين عن إصدارها.

 

وأخيرا إن إحكام الربط بين التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية والتوجهات الاستراتيجية للدولة والمؤسسات ليس مجرد خيار تحسيني، بل هو التزام قانوني وضابط تنظيمي كفيل بحوكمة الوظيفة العامة وحماية رأس المال البشري والمال العام.

 

وبهذا فإننا نوصي بالآتي :

• إلزام كافة الأجهزة والجهات الإدارية بإعادة هيكلة ملاكاتها الوظيفية وبطاقات الوصف الوظيفي وفق معايير الجودة والحاجة الفعلية، ومصادقتها رسمياً من الجهات المختصة. • تفعيل الربط الإلكتروني الكامل بين منظومة القوى العاملة ومخرجات مؤسسات التعليم العالي والتدريب المهني للحد من الفجوة الميدانية بين العرض والطلب. • الالتزام الصارم بالمسابقات الوظيفية العلنية كآلية حصرية لشغل الوظائف العامة، إرساء لمبدأ الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص.

 

رفعت للتصميم