
المقال الانتربولوجي رقم 02
أ.د حمام محمد. جامعة الجلفة الجزائر
عَمِّر راسَك: مقاربة أنثروبولوجية في الذاكرة والتجربة والمعرفة الشعبية
شاع في العرف الاجتماعي في كثير من المجتمعات ملفوظ شعبي جميل هو: «عَمِّر راسَك»، أي: اقتنِ من الأحداث ما تراه مناسبًا لعقليتك وتوجهك في الحياة بمختلف مجالاتها. وهذه الكلمة الشعبية لا تبدو، في استعمالها الاجتماعي، مجرد عبارة عابرة، وإنما تتأسس على تصور للإنسان بوصفه كائنًا يبني رصيده من خلال التجارب والمعارف التي يمر بها ويستوعبها ويحتفظ بها.
وتكتسب الملفوظات والأمثال الشعبية أهميتها الأنثروبولوجية من كونها أشكالًا من التعبير الشفهي التي تنقل المعرفة والقيم الاجتماعية والذاكرة الجماعية من جيل إلى آخر؛ ولذلك يمكن النظر إليها بوصفها وحدات مكثفة من الخبرة الاجتماعية المتراكمة (اليونسكو، 2003؛ Ikuenobe, 2018). (UNESCO ICH)
وعلى هذا الأساس، فإن عبارة «عَمِّر راسَك» يمكن أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى بناء ذاكرة موسوعية من التجارب المصادفة والمكدسة، وكأنها تمثل رصيدًا تراكميًا من المعلومات والخبرات. فحين تكون التجارب الماضية ذات تأثير إيجابي، يدعو المتحدث أو الذي عاشها زميله إلى إضافتها إلى رصيده، حتى تصبح جزءًا من خبرته في الحياة.
ويقصد بالرأس هنا، على سبيل التمثيل، القيادة وحسن التدبير؛ لأن الرأس هو موضع التفكير والتقدير واتخاذ القرار في التصور الشعبي. ولذلك حين نقول عن إنسان إن «راسه معمر»، فإننا لا نقصد مجرد امتلائه بالمعلومات، وإنما نشير إلى امتلاكه رصيدًا من التجارب والمعارف التي تمكنه من التعامل مع مواقف الحياة.
غير أن «تعمير الرأس» لا يرتبط بكثرة ما يدخل إليه فقط، وإنما بنوعية ما يدخل إليه أيضًا. فإذا كان تعمير الرأس قائمًا على تجارب نافعة ومعارف مفيدة، أصبح التراكم رصيدًا يستعين به الإنسان في حياته. أما إذا امتلأ بتجارب مؤذية أو معلومات مضللة أو معارف لا تنفعه، فإن التعمير يفقد قيمته؛ لأن الامتلاء في حد ذاته لا يعني امتلاك المعرفة النافعة.
ومن هنا يصبح الرأس، أنثروبولوجيًا، ملفوظًا يحمل حمولة معرفية ورمزية؛ فهو يقترن بالتجارب وبمدى استيعاب المعارف. ولذلك نجد في الاستعمال الشعبي قولنا عن شخص: «راسه معمر»، أي إنه قادر بما راكمه من التجارب والمعارف على مجابهة كثير من أزمات الحياة ومواقفها.
وتتصل هذه الدلالة بوظيفة التراث الشفهي في المجتمعات؛ فالمعرفة لا تنتقل دائمًا عبر الكتب والمؤسسات، وإنما تنتقل أيضًا من خلال الكلام اليومي، والحكايات، والأمثال، والوصايا، والخبرات التي يتداولها الناس. وقد بينت الدراسات الأنثروبولوجية أن الأمثال تُستخدم لتقديم النصح، ونقل المعرفة، وتوجيه السلوك، وتدعيم الحجج، وحفظ الخبرة الجماعي
وفي هذا السياق، يمثل «تعمير الرأس» مؤشرًا على الحيطة والحذر من مدلهمات الحياة؛ فالإنسان الذي راكم التجارب لا يدخل إلى الأحداث خاليًا من الخبرة، وإنما يحمل معه ذاكرة تساعده على قراءة المواقف الجديدة في ضوء ما عاشه سابقًا.
وقد جرى في لغتنا الإعلامية توظيف الكثير من الملفوظات الشعبية الغزيرة من أجل تقوية التجارب وتثبيت المعاني في الذاكرة. فالملفوظ الشعبي لا يؤدي وظيفة لغوية فقط، وإنما يمكن أن يؤدي وظيفة معرفية وتواصلية، لأنه يستدعي تجربة اجتماعية سابقة ويضعها في خدمة موقف جديد. وقد أظهرت دراسات حول المثل الشعبي الجزائري أن هذا الخطاب يحمل أبعادًا ثقافية وحجاجية، ويمكن أن يؤثر في المتلقي من خلال ما يختزنه من مرجعيات اجتماعية وثقافية (معاشي وجبلي، 2022). (ASJP)
كما أن أي ملفوظ يرتبط بالرأس بوصفه حاويًا للتجارب والمعارف والإبداعات، يمكن أن يحيل إلى صورة الإنسان القادر على الاستيعاب والتدبير. ومن هنا تصبح عبارة «عَمِّر راسَك» ذات وظيفة تتجاوز الأمر المباشر إلى بناء تصور عن الإنسان الذي ينبغي أن يستفيد من تجاربه وتجارب الآخرين.
وإذا كان الرأس في هذا التصور الشعبي هو وعاء التجربة والمعرفة، فإن المعرفة الجديدة تصبح مادة لإضافتها إلى هذا الوعاء. ولذلك يمكن أن يقال لشخص: «عَمِّر راسَك»، أي انتبه، استفد، واكتسب هذه المعلومة أو التجربة؛ لأنها قد تكون ذات قيمة لك في المستقبل.
وهنا تبرز أهمية الذاكرة في حفظ التجارب واستعادتها؛ فالمعرفة المتراكمة لا تكون ذات فائدة إلا عندما يستطيع الإنسان استحضارها وتوظيفها في الموقف المناسب. ومن هذه الزاوية يمكن فهم «الرأس المعمر» في المخيال الشعبي باعتباره رأسًا يحمل رصيدًا من الخبرة، لا مجرد مخزن للمعلومات.
وقد أخذت الأنثروبولوجيا، في دراستها للثقافات الشفوية، بعين الاعتبار طرق اكتساب المعرفة وحفظها واسترجاعها ونقلها، خصوصًا من خلال الحكايات والأمثال والذاكرة الجماعية. فالتقاليد الشفوية يمكن أن تعمل بوصفها وسائل لاكتساب المعرفة وأرشفتها واسترجاعها ونقل القيم والمعتقدات والممارسات
ومن هنا يمكن النظر إلى المحتوى الذي يصل إلى الإنسان باعتباره مادة محتملة لـ «تعمير الرأس»؛ غير أن هذه العملية لا تكون إيجابية بالضرورة، لأن المحتوى قد يكون نافعًا وقد يكون ضالًا أو مضللًا. ولذلك فإن المشكلة لا تكمن في ملء الرأس فقط، وإنما في نوعية ما يُملأ به.
وهذا يقودنا إلى الوجه الآخر من الملفوظ، أي «إفراغ الرأس». فإذا كان «عَمِّر راسَك» يعني اكتساب التجارب والمعارف، فإن «فرِّغ راسَك» يمكن أن يدل، في بعض السياقات، على التخلص من كل ما يثقل الإنسان ويقلقه ويؤثر في يومياته.
ومن ثم فإن الثقافة الشعبية لا تنظر إلى الرأس باعتباره وعاءً ينبغي ملؤه باستمرار فقط، وإنما تعرف أيضًا الحاجة إلى إفراغه مما أصبح عبئًا. وهنا لا يكون الإفراغ بالضرورة تخليًا عن المعرفة، وإنما قد يكون تخلصًا من التجارب المؤذية أو الأفكار التي تثقل الإنسان وتمنعه من الراحة.
وبهذا المعنى ارتبطت الأمثال والملفوظات الشعبية بتعمير الرأس أو إفراغه بما هو أجمل وأنفع، أو إفراغه مما يثقله ويقلق يومياته. ويصبح الرأس، في هذه الحالة، مجالًا تتقاطع فيه الذاكرة والتجربة والمعرفة والراحة.
إن عبارة «عَمِّر راسَك»، ب
رفعت للتصميم













